تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 173

مساهمون:

ص١٧٣
المردفة الموصلة ، ولا يحب الذوق السليم إلا تلك الحلاوة المحضة ، لا الطويل والمديد من البحور . لما أراد حضرة الخلّاق أن يكلم الإنسان ، الذي هو قبضة من التراب ، نظر إلى ذلك الحسن الإجماليّ لا إلى قوالب مستحسنة عند قوم دون قوم ، ولما أراد مالك الملك أن يتكلم على منهج الآدميين ، ضبط ذلك الأصل البسيط ، لا هذه القوانين المتغيرة بتغير الأدوار والأطوار . ومنشأ التمسك بالقوانين المصطلح عليها هو العجز والجهل ، وتحصيل الحسن الإجماليّ ، بلا توسط تلك القواعد بحيث لا يفوت في الأغوار والأنجاد من البيان شيء ، ولا يضيع في كل سهل وجبل من الكلام معجز ومفحم . وأنا أنتزع هنا من جريان الحق سبحانه وتعالى على ذلك السنن أصلا . وأنتقل إلى قاعدة . وتلك القاعدة أنه اعتبر في أكثر السور امتداد الصوت ، لا الطويل والمديد من البحور مثلا ، واعتبر في الفواصل انقطاع النفس بالمدة ، وما تعتمد عليه المدة ، لا قواعد فن القوافي ، وهذه الكلمة أيضا تقتضي بسطا . فاستمع لما أقول : تردّد النّفس في قصبة العنق من جبلة الإنسان . وإن كان تطويل النفس وتقصيره من مقدور البشر . لكن إذا خلّي وطبعه فلا بد من امتداد محدود . فيحصل في أول خروج النفس نشاط ، ثم يضمحل ذلك النشاط تدريجا حتى ينقطع في آخر الأمر . فيحتاج إلى إعادة نفس جديد . وهذا الامتداد أمر محدود بحدّ مبهم . ومقدر بمقدار منتشر لا يتجاوز نقصانه كلمتين ، بل لا يتجاوز الثلث والربع ، والزيادة لا تتجاوز كلمتين ، بل لا تتجاوز الثلث والربع من ذلك الحد . ويسع ذلك اختلاف عدد الأوتاد والأسباب وتقدم بعض الأركان على بعض ، فجعل لامتداد النفس وزن معلوم . وقسم ذلك على ثلاثة أقسام : طويل ومتوسط وقصير . أما الطويل فنحو سورة النساء ، وأما المتوسط فنحو سورة الأعراف والأنعام ، وأما القصير فنحو سورة الشعراء وسورة الدخان . . وتمام النفس يعتمد على مدة معتمدة على حرف قافية متسعة يوافقها ذوق الطبع ، ويتلذذ من إعادتها مرة بعد أخرى ، وإن كانت المدة ، في موضع ، ألفا ، وفي موضع آخر ، واوا أو ياء . وسواء كان ذلك الحرف الأخير باء في موضع ، أو جيما . أو قافا في موضع آخر ،
فَيَعْلَمُونَ
و
مُؤْمِنِينَ *
و
مُسْتَقِيمٍ *
متوافقة . و
خُرُوجٍ
و
مَرِيجٍ
و
تَحِيدُ
و ( تبار ) و
فَواقٍ
و
عُجابٌ
كلها على قاعدة . وكذلك لحوق الألف في آخر الكلام قافية متسعة ، في إعادتها لذة . وإن كان حرف