تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 132

مساهمون:

ص١٣٢
وفي الآية الأخرى :
أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ *
[ البقرة : 27 ] وقد مرّ تحريم المدينة وانتزاعه من القرآن . وأما من تولى قوما بغير إذن مواليه فداخل بالمعنى في قطع ما أمر اللّه به أن يوصل . وأيضا فإن الانتفاء من ولاء صاحب الولاء ، الذي هو لحمة كلحمة النسب ، كفر لنعمة ذلك الولاء . كما هو في الانتساب إلى غير الأب . . وقد قال تعالى فيها :
وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ ، أَ فَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ
[ النحل : 72 ] وصدق هذا المعنى في الصحيح من قوله « أيما عبد أبق من مواليه فقد كفر حتى يرجع إليهم » « 1 » ، وفيه « إذا أبق العبد لم تقبل له صلاة » « 2 » . وحديث معاذ ظاهر في أن ما لم يصرّح به في القرآن ، ولا حصل بيانه فيه ، فهو مبين في السنة . وإلا فالاجتهاد يقضي عليه . وليس فيه معارضة لما تقدم . ثم قال الشاطبيّ : حيث قلنا : إن الكتاب دال على السنة ، وإن السنة ، إنما جاءت مبيّنة له ، فذلك بالنسبة إلى الأمر والنهي والإذن ، أو ما يقتضي ذلك ، وبالجملة ما يتعلق بأفعال المكلفين من جهة التكليف . وأما ما خرج عن ذلك من الإخبار عما كان أو ما يكون ، مما لا يتعلق به أمر ولا نهي ولا إذن ، فعلى ضربين : أحدهما : أن يقع في السنة موقع التفسير للقرآن . فهذا لا نظر في أنه بيان له . كما في قوله تعالى :
وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ
[ البقرة : 58 ] قال : « دخلوا يزحفون على أوراكهم » وفي قوله
فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ
[ البقرة : 59 ] قال : قالوا حبة في شعرة . وفي قوله :
وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً . . .
[ البقرة : 143 ] الآية . قال « 3 » : يدعى نوح فيقال : هل بلغت ؟ فيقول : نعم ، فيدعى قومه . فيقال : هل بلّغكم ؟ فيقولون : ما أتانا من نذير وما أتانا من أحد . فيقال : من شهودك ؟ فيقول : محمد وأمته . قال فيؤتى بكم تشهدون أنه قد بلّغ ، فذلك قول الله :
وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
.
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم في الإيمان ، حديث 122 . ( 2 ) أخرجه مسلم في الإيمان ، حديث 123 . ( 3 ) أخرج البخاري في الاعتصام ، باب قوله تعالى :وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً. عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « يجاء بنوح يوم القيامة فيقال له : هل بلّغت ؟ فيقول : نعم . يا رب . فتسأل أمته : هل بلغكم ؟ فيقولون : ما جاءنا من نذير . فيقال : من شهودك ؟ فيقول : محمد وأمته . فيجاء بكم فتشهدون » .