تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 216

مساهمون:

ص٢١٦
على الغوص في هذا البحر الخضم واستخراج أمثال هذه الدرر منه الا الجامع بين اسرار العلمين - علم حكم التشريع وعلم اسرار البلاغة - ولقد كان أقرب ما يقال في تلك الآيات أنها بمعنى الاستثناء في هاتين الآيتين المتبادر منهما في ذاتهما وهو التفرقة بين الجزاء بالفضل فوق العدل الذي يضاعف من عشرة اضعاف إلى سبعمائة ضعف ، والجزاء بالعدل والمساواة الذي لا يظلم فيه مثقال ذرة ، وما فوقه من رحمة اللّه التي وسعت كل شيء ، ولكن يقف في طريق هذا الفهم على وضوحه أن التأبيد أكد به جزاء الذين كفروا وظلموا في أواخر سورة النساء ( 4 : 128 ) وجزاء الذين لعنهم الله منهم في سورة الأحزاب ( 23 : 64 ) وجزاء العصاة في سورة الجن ( 72 : 23
وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً
) والقواعد تقتضي جعل العصيان هنا عاما شاملا لترك الايمان بمعنى الشرك على اننا بينا في تفسير ما تقدم من الآيات في الخلود والتأبيد معناهما اللغوي وانه لم يكن عند العرب لفظ منها ولا من غيرها يدل على التأبيد في الاصطلاح الشرعي وهو عدم النهاية في الوجود وان قدرت بألوف الألوف وما لا يحصى من السنين وبينا في تفسير الاستثناء هنا وفي سورة الأنعام ان جمهور المفسرين تأولوه لموافقة المقرر في العقائد من أن خلود أهل النار كأهل الجنة ، وان بعضهم جعله على ظاهره لأنه معارض بنصوص القرآن والحديث الصريحة في سعة رحمة اللّه وعدله وكون العقاب عنده على قدر الذنب لان الزيادة ظلم وهو محال على اللّه عز وجل عقلا ونقلا ، وكنت وعدت بأن أذكر هنا كل ما قاله العلماء في هذا الموضوع ثم رأيت الآن ان لا حاجة اليه بعد ان وجهت تفسير الاستثناء بما يجمع بين النصوص المتعارضة الظاهر وما سبق في تفسير آية الانعام ( 6 : 127 ص 68 - 99 ج 8 تفسير طبعة أولى ) وهو ما بسطه المحقق ابن القيم من دلائل الفريقين وخلاصته ان رحمة اللّه تعالى أوسع وأكمل ، وإرادته أعم وأشمل ، فلا يقيدهما شيء ولا يحيط بهما إلا علمه . وقد تعرض لهذا الموضوع من المفسرين المتأخرين القاضي الشوكاني في تفسيره ( فتح القدير ) وتبعه السيد حسن صديق خان في تفسيره ( فتح البيان ) فليراجعهما من شاء