تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 201

مساهمون:

ص٢٠١

( الفصل الثاني في صفاته تعالى )

في السورة من صفات الذات والافعال : الحكيم الخبير العليم القدير الوكيل الغفور الرحيم الحفيظ القريب المجيب القوي العزيز الرقيب الودود البصير ، فمنها ما وصف به تعالى مفردا وما وصف به مقترنا بغيره ، وما اتصل بمتعلقه ، ولكل منها أتم المناسبة لموضوعه في موضعه ، مما يذكر المتدبر له بتدبيره تعالى لأمور عباده ، ويزيده إيمانا بمعرفة جلاله وجماله ، وكماله في صفاته وأفعاله ، ورحمته وإحسانه للمحسنين ، وتربيته وعقابه للمجرمين والظالمين ، وحسبك شاهدا عليه في نفسك تدبر إحاطة علمه تعالى بما تسر وتعلن في الآية الخامسة
( أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ ، أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ )
فلا تغفلن عن هذه المعاني أيها التالي للقرآن أو المستمع له فيفوتك من العرفان وغذاء الايمان ، ما أنت في أشد الحاجة اليه لتزكية نفسك ، التي هي أقرب الوسائل لفلاحك وسعادتك ، فان تأمل هذه الأسماء في مواضعها من بيان شؤونه تعالى في العباد أقوى تفقيها في الدين وتكميلا للعرفان من تكرار الاسم الواحد مرارا كثيرة كما يفعل المتصوفة المرتاضون ، ومقلدتهم المرتزقون ، وهو غير مشروع خلافا لما زعمه المتأولون لقوله تعالى
( قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ )
فاسم الجلالة هنا مبتدأ لجملة في جواب سؤال حذف خبره لدلالة ما قبله عليه وهو قوله تعالى
( قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى )
الخ والمعنى : قل اللّه هو الذي أنزله ، فهو ليس اسما مفردا يكرر تعبدا ومثله تأولهم لحديث « لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض اللّه اللّه » رواه أحمد ومسلم والترمذي عن أنس ، ولفظ الجلالة فيه مرفوع على أنه مبتدأ حذف خبره للعلم به من القرينة ، والمعنى - حتى لا يقال : اللّه فعل كذا ، اللّه أمات وأحيا مثلا ، لذهاب الايمان به تعالى . والاسم المفرد في ذكرهم يكررونه بالسكون لا يقصد به معنى جملة ، وإنما يقصد به حصر التوجه وجمع الهمة بما جربه الرياضيون ، وجهله المقلدون
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 201 | الشيخ محمد رشيد رضا