تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 200

مساهمون:

ص٢٠٠
مشركي العرب ومن قبلهم من أقوام الأنبياء يؤمنون بأن الرب الخالق المدبر واحد ، وإنما يقولون بتعدد الآلهة التي يتقرب إليها توسلا إلى اللّه وطلبا للشفاعة عنده ، وكانت الأنبياء والرسل تقيم الحجة عليهم بأن توحيد الربوبية يقتضي توحيد الألوهية ، إذ العبادة لا تصح ولا تنبغي إلا للرب وحده ، وآيات القرآن في هذا كثيرة جدا نأمل كيف خاطب اللّه أمة خاتم النبيين في الآية الثانية من هذه السورة بعبادته وحده ، وفي الآية الثالثة عقبها باستغفار ربهم والتوبة اليه من كل ذنب ليمتعهم متاعا حسنا ويؤتي كل ذي فضل فضله ، وتجد مثل هذا في قصة هود ( 52 ) وفي قصة شعيب ( 90 ) وتأمل كيف بين لنبيه في الآيتين 6 و 7 أنه
ما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها
، وانه
هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
الخ والمراد أن العبادة لا تصح ولا تنبغي إلا له سبحانه ثم تأمل كيف أخبر نوح وهو أول الرسل قومه وهم أول من ابتدع الشرك بالغلوّ في تعظيم الصالحين في الآية ( 31 ) بأنه ليس عنده خزائن اللّه فيقدر على رزقهم أو نفعهم ، وانه لا يعلم الغيب ولا يقول إنه ملك يتصرف في تدبير العالم باقدار اللّه إياه على ذلك كما فعلوا إذ صاروا يدعون غير اللّه من المقربين عنده والمقربين اليه بزعمهم ، وتقدم مثلها عن نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم في الآية ( 50 ) من سورة الأنعام وفي معناهما من سورة الأعراف ( 7 : 187 ) ومن سورة يونس ( 10 : 49 ) ثم تأمل في قصة هود آية ( 56
إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ )
الخ وفي معناه توكل شعيب في الآية ( 88 ) ثم ختم السورة بأمر نبينا صلوات اللّه وسلامه عليه بقوله ( 123
وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ )
فجمع بين العبادة وهي أعلى توحيد الألوهية ، والتوكل وهو أعلى توحيد الربوبية ، ونعزز هذه الشواهد بما يأتي عن الرسل ( ع . م ) في الباب الثالث ولا سيما الفصل الثالث منه