الوثاق لأنه يكون حينئذ من الرحمة الاختيارية وجعل الحرب ضرورة تقدر بقدرها ، لا ضراوة بسفك الدماء ، ولا تلذذا بالقهر والانتقام ، ولذلك خيرنا اللّه تعالى فيهم بين المن عليهم وإعتاقهم بفك وثاقهم وإطلاق حريتهم ، وإما بفداء أسرانا عند قومهم ودولتهم إن كان لنا أسرى عندهم بمال نأخذه منهم ، ولم يأذن لنا في هذه الحال بقتلهم ، فقد وضع الشدة في موضعها والرحمة في موضعها . وإذا كان بيننا وبين دولة عهد يتضمن اتفاقا على الاسرى وجب الوفاء به وبطل التخيير بينه وبين غيره
وأما قوله تعالى بعد هذا التخيير الذي يختار الامام منه في غير حال العهد الخاص معهم ما فيه المصلحة العامة
( حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها )
أي أثقالها وقيل آثامها فهو غاية لما قبله قالوا أي إلى أن تنقضي الحرب ولم يبق إلا مسلم أو مسالم ، أي بأن لا يعتدى على المسلمين ذلك الاعتداء الذي يكون به القتال فرض عين عليهم ، وقيل حتى تزول الحرب من الأرض ويعم السلم ، وهي الغاية العليا التي يتمناها فضلاء البشر من جميع الأمم الراقية ، ولكن اللّه تعالى بين بعد هذا أن الحرب سنة اجتماعية اقتضتها الحكمة الإلهية في ابتلاء البشر بعضهم ببعض ليظهر استعداد كل فريق منهم فقال
( ذلِكَ ، وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ )
اي الامر ذلك الذي ذكر لكم ، ولو شاء اللّه لانتصر لكم باهلاكهم بعذاب من عنده لا جهاد لكم فيه ولا عمل ، ولكن مضت سنته بأن يجعل سعادة الدنيا والآخرة للناس بأعمالهم ليبلو ويختبر بعضكم ببعض - وسنبين ذلك بالتفصيل في تفسير هذه الآية من سورتها إذا أحيانا اللّه تعالى
وجملة القول في تفسير الآيتين أن اتخاذ الاسرى انما يحسن ويكون خيرا ورحمة ومصلحة للبشر إذا كان الظهور والغلب لأهل الحق والعدل : أما في المعركة الواحدة فباثخانهم لأعدائهم من المشركين والمعتدين ، وأما في الحالة العامة التي تعم كل معركة وكل قتال فباثخانهم في الأرض بالقوة العامة والسلطان الذي يرهب الأعداء
ثم قال تعالى بعد هذه القاعدة العامة التي تقرها ولا تنكرها علوم الحرب وفنونها في هذا العصر
تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ
وهو انكار على عمل وقع من الجمهور على خلاف تلك القاعدة التي تقتضيها الحكمة والرحمة معا بقصد دنيوي وهو فداء الاسرى بالمال ، ليس من شأن الأنبياء ولا مما ينبغي لهم مخالفتها ولو باقرار مثل ذلك العمل ، وهو ان النبي ( ص ) قبل من اسرى بدر