انقضاء عهودهم بنبذ ما جاز نبذه ، وإتمام ما وجب إتمامه ، ولم يمكن إعلامهم بذلك إلا في موسم السنة التاسعة كما امر اللّه تعالى ( وثانيهما ) انه كان يتعذر منع من لا عهد لهم في موسمي العامين الثامن والتاسع بدون قتال في أرض الحرم لأنهم كانوا بمقتضى التقاليد يأتون للحج من كل فج وهم كثيرون ولا يمكن التمييز بين المشرك والمسلم ولا المعاهد وغير المعاهد إلا بعد وصولهم إلى البيت وشروعهم في الطواف فيه فكيف السبيل إلى منع الشرك منهم بعد ذلك بغير قتال فيه فضلا عن سائر الحرم - والقتال محرم فيه ؟ وقد قال صلّى اللّه عليه وسلّم يوم فتح مكة انها أحلت له ساعة من نهار ولم تحل لأحد قبله ولن تحل لأحد بعده ؟ فعلم من هذا ان منع عبادة الشرك من المسجد الحرام وإبطال ما كان المشركون يدعونه ويفخرون به من حق عمارته الحسية وإيئاسهم من الاشتراك فيها كان يتوقف على ما ذكر من نبذ عهودهم ومن العدل الواجب في الاسلام إعلامهم بذلك قبل تنفيذه بزمن طويل يكفي لعلم الجماهير منهم به ، وهذا المنع هو ما تضمنته هاتان الآيتان على أكمل وجه ، وفسره علي كرم اللّه وجهه بأمر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من الجهة الخاصة ، فحسن أن يوضع هو وما يتلوه بعد آيات ذلك النبذ والأذان ، وما تلاه من التهديد بالقتال بعد عود حالته إلى ما كانت عليه قبل العهود . وهو المقصود بالذات بقسميه السلبي والايجابي . وسيأتي النهي عن تمكينهم من القرب من المسجد الحرام أيضا في الآية ( 28 ) قال تعالى
* * *
ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ
النفي في مثل هذا التعبير يسمى نفي الشأن كما سبق بيانه في نظائره مع بيان انه أبلغ من نفي الفعل طبعا أو شرعا لأنه نفي له بالدليل . والمساجد جمع مسجد وهو في اللغة مكان السجود وقد صار اسما للبيوت التي يعبد فيها اللّه تعالى وحده كما قال تعالى
( وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً )
قرأ أبو عمرو ويعقوب وابن كثير ( مسجد اللّه ) بالافراد وهو مروي عن ابن عباس ومجاهد وابن جبير وهم أكبر مفسري السلف . وقرأ باقي السبعة وآخرون ( مساجد اللّه ) بالجمع . والمتبادر من الافراد إرادة المسجد الحرام لأنه المفرد العلم الأكمل الأفضل من المساجد وكلها للّه ، وان كان المفرد المضاف يفيد العموم في الأصل ، والمراد من المساجد جنسها الذي يصدق بأي فرد من أفرادها كما يقولون فلان يخدم