تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 203

مساهمون:

ص٢٠٣
والانذار بقوله
وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ
أي عالم بخفايا ما تعملون الآن وبعد الآن محيط بدقائقه ، وقد مضت سنته بأن يكون التكليف الذي يشق على الأنفس هو الذي يمحص ما في القلوب ويطهر السرائر ويزكي الأنفس بقدر استعداد معدنها ، وأنه هو الذي يبرز السرائر الخبيثة ويظهر سوء معدنها ، والواو في الجملة حالية أي أحسبتم وظننتم أن تتركوا قبل أن يتم هذا التمحيص والتمييز بين الذين صدقوا في جهادهم والكاذبين من فاسدي السريرة ، ومتخذي الوليجة ، وهو إلى الآن لم يعلم هؤلاء المجاهدين منكم لأنهم لم يتميزوا من غيرهم بالفعل ، وإن ما لا يعلمه اللّه هو الذي لا وجود له ، لأنه لا يخفى عليه شيء من أمركم ، وكيف ذلك واللّه خبير بما تعملون فهذه الآية بمعنى آيات أول سورة العنكبوت وآيتي البقرة وآل عمران اللتين أشرنا اليهما وإلى ما تقدم من تفسيرهما فليرجع اليه من شاء الوقوف على ما فيهما من العلم والعبرة ، والموازنة بين مسلمي عصرنا ومسلمي العصر الأول . وقد ثبت بالاختبار أن للحروب على ما يكون فيها من العدوان والشرور فوائد عظيمة في ترقية الأمم ورفع شأنها بقدر استعدادها ، وناهيك بالحرب إذا التزم فيها ما قرره الاسلام من إحقاق الحق وابطال الباطل ، ومراعاة قواعد العدل والفضيلة ، كاحترام العهود ، وتحريم الخيانة ، وتقدير الضرورة فيها بقدرها ، ووضع كل من الشدة والرحمة في موضعها ، كما تقدم بيانه في تفسير آيات هذه السورة وآيات سورة الأنفال قبلها ، وكذا آيات القتال من سورتي البقرة وآل عمران ، وكذلك كان المسلمون الأولون في جميع حروبهم على تفاوت بين سلفهم وخلفهم ، وقد شهد لهم بذلك علماء التاريخ والاجتماع من الإفرنج المنصفين على قلتهم حتى قال حكيم كبير « 1 » منهم : ما عرف التاريخ فاتحا اعدل ولا ارحم من العرب * * *
( 17 ) ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ ، أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ ( 18 ) إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ ، فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ
هامش
( 1 ) هو الدكتور غوستاف لوبون حكيم الأمة الفرنسوية وصاحب كتاب حضارة العرب