تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 118

مساهمون:

ص١١٨
مِنْ لَدُنَّا ؟ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ )
وقوله تعالى
( 39 : 67 أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ ؟ . . . )
والمعنى على الوجه الثاني انه جعلها قياما للناس في أمر دينهم المهذب لأخلاقهم المزكي لأنفسهم ، بما فرض عليهم من الحج الذي هو من أعظم أركان الدين لأنه عبادة روحية بدنية مالية اجتماعية - وتقدم بيان بعض حكمه وسيأتي لها مزيد ان شاء اللّه تعالى - وما شرع في مناسك الحج من الصدقات والذبائح التي تطهر فاعلها من رذيلة البخل وتحببه وتحبب اليه الفقراء والمساكين ، ويتسع بها رزق أهل الحرم . وهذا هو الجعل الامري التشريعي . دع ما تستلزمه كثرة الناس هنالك من جلب الارزاق وعروض التجارة التي تقوم بها أمور المعيشة روى ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس ( رض ) انه فسر القيام هنا بقوله : قياما لدينهم ومعالم لحجهم ، وفي رواية أخرى عنه قال : قيامها أن يأمن من توجه إليها . وروي عن سعيد بن جبير فيه ثلاثة أقوال ( 1 ) صلاحا لدينهم ( 2 ) شدة لدينهم ( 3 ) عصمة في امر دينهم . فهذه أقوال من جعل القيام دينيا فقط . وانما هو ديني دنيوي ، لان أهل الحرم وحجاجه ما كانوا ليجدوا فيه ما يعيشون به من الغذاء ، وما يأمنون به على أنفسهم الهلاك ، لولا ان جعل اللّه الكعبة والشهر الحرام والهدي والقلائد قياما لأمر المعيشة ، كما جعلها قياما لامر الدين ، ولكن خص بعضهم القيام الدنيوي بزمن الجاهلية روى ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد قال : كان الناس فيهم ملوك يدفع بعضهم عن بعض ولم يكن في العرب ملوك يدفع بعضهم عن بعض ، فجعل اللّه لهم البيت الحرام قياما يدفع بعضهم عن بعض به - والشهر الحرام كذلك يدفع اللّه بعضهم عن بعض بالأشهر الحرم والقلائد ، ويلقى الرجل قاتل أبيه وابن عمه فلا يعرض له ، وهذا كله قد نسخ وروى ابن أبي حاتم عن ابن شهاب قال : جعل اللّه البيت الحرام والشهر الحرام قياما للناس يأمنون به في الجاهلية الأولى لا يخاف بعضهم بعضا حين يلقونهم عند البيت أو في الحرم أو في الشهر الحرام
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 118 | الشيخ محمد رشيد رضا