تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 94

مساهمون:

ص٩٤
التي هي مناط العزة والقوة قوله تعالى * * *
الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ
تنفير من الربا وتبشيع لحال آكله . والمراد بالأكل الأخذ لأجل التصرف وأكثر مكاسب الناس تنفق في الأكل ومن تصرف في شئ من مال غيره يقال أكله وهضمه أي أنه تصرف فيه تمام التصرف حتى لا مطمع في رده والربا في اللغة الزيادة يقال ربا الشئ يربو إذا زاد على ما كان عليه ومنه الرابية لما علا من الأرض فزاد على ما حوله . وتعريف الربا للعهد أي لا تأكلوا الربا الذي عهدتم في الجاهلية . وذكر ابن جرير في تفسير الآية وتفسير آية آل عمران كيفية ذلك قال : وكان أكلهم ذلك في جاهليتهم أن الرجل كان يكون له على الرجل مال إلى أجل فإذا حل الأجل طلبه من صاحبه فيقول له الذي عليه المال : أخر عنى دينك وأزيدك على مالك فيفعلان ذلك فذلك هو الربا أضعافا مضاعفة فنهاهم اللّه عز وجل في إسلامهم عنه . ا ه . وذكر وقائع للجاهلية في ذلك سننقلها عنه في موضعها . وأما قيام آكلي الربا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس فقد قال ابن عطية في تفسيره : المراد تشبيه المرابى في الدنيا بالمتخبط المصروع كما يقال لمن يصرع بحركات مختلفة قد جن . أقول : وهذا هو المتبادر ولكن ذهب الجمهور إلى خلافه وقالوا إن المراد بالقيام القيام من القبر عند البعث وأن اللّه تعالى جعل من علامة المرابين يوم القيامة أنهم يبعثون كالمصروعين . ورووا ذلك عن ابن عباس وابن مسعود بل روى الطبراني من حديث عوف بن مالك مرفوعا « إياك والذنوب التي لا تغفر - الغلول فمن غل شيئا أتى به يوم القيامة ، والربا فمن أكل الربا بعث يوم القيامة مجنونا يتخبط » أقول : والمتبادر إلى جميع الأفهام ما قال ابن عطية لأنه إذا ذكر القيام انصرف إلى النهوض المعهود في الأعمال ، ولا قرينة تدل على أن المراد به البعث وهذه الروايات لا يسلم منها شئ من قول في سنده وهي لم تنزل مع القرآن ولا جاء المرفوع منها مفسرا للآية . ولولاها لما قال أحد بغير المتبادر الذي قاله ابن عطية الا من لم يظهر له صحته في الواقع . وكان الوضاعون الذين يختلقون الروايات يتحرون
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 94 | الشيخ محمد رشيد رضا