تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 68

مساهمون:

ص٦٨
بعضهم واختاره الامام الرازي ان المراد بالربوة الأرض المستوية الجيدة التربة بحيث تربو بنزول المطر عليها وتنمو كما قال
( فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ )
الآية ويؤيده كون المثل مقابلا لمثل الصفوان الذي لا يؤثر فيه المطر
أَصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ
أي فكان ثمرها مثلي ما كانت تثمر في العادة أو أربعة أمثاله على القول بأن ضعف الشئ مثله مرتين . والأكل كل ما يؤكل وهو بضمتين وتسكن الكاف تخفيفا ، وبها قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو
فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ
أي فالذي يصيبها طل أو فطل يكفيها لجودة تربتها وكرم منبتها وحسن موقعها والطل المطر الخفيف المستدق القطر . أقول : وقد عرف بالاختبار أن الأرض الجيدة في المواقع المعتدلة يكفيها القليل من الري لرطوبة ثراها وجودة هوائها فان الشجر يتغذى من الهواء كما يتغذى من الأرض والمعنى : أن هذه الجنة أكلها دائم وظلها ، كثر ما يصيبها من المطر أو قل فإن لم يكن ثمرها مضاعفا لم يكن معدوما فاذن لا يكون طالبه قط محروما ووجه الشبه عندي أن المنفق ابتغاء مرضاة اللّه والتثبيت من نفسه هو في اخلاصه وسخاء نفسه وإخلاص قلبه كالجنة الجيدة التربة الملتفة الشجر العظيمة الخصب في كثرة بره وحسنه . فهو يجود بقدر سعته فان أصابه خير كثير أغدق ووسع في الانفاق وإن أصابه خير قليل انفق منه بقدره . فخيره دائم وبره لا ينقطع ، لأن الباعث عليه ذاتي لا عرضى كأهل الرياء وأصحاب المن والايذاء . هذا ما سبق إلى فهمي عند الكتابة . فالوابل والطل على هذا عبارة عن سعة الرزق ومادون السعة . ثم رجعت إلى ما كتبت في مذكرتى عن الأستاذ الامام فإذا هو قد قال في الدرس ان النية الصالحة في الانفاق كالوا بل للجنة فبها تكون النفقة نافعة للناس ، لأن أصحابها يتحرون فيضعون نفقتهم موضع الحاجة لا يبذرون بغير روية . ثم قال عند ذكر الطل : أي ان أمثال هؤلاء المخلصين لا يخيب قاصدهم لأن رحمة قلوبهم لا يغور معينها فإن لم تصبه بوابل من من عطائها لم يفته طله فهم كالجنة التي لا يخشى عليها اليبس والزوال . وقد ختم الآية بقوله عز وجل
وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
ليذكرنا بأنه لا يخفى عليه المخلص من المرائي تحذيرا لنا من الرياء الذي يتوهم صاحبه انه يغش الناس باظهاره خلاف ما يضمر . فكأنه يقول