تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 348

مساهمون:

ص٣٤٨
التوجه اليه من دون اللّه . وهذا الوجه معقول في نفسه والأول أقوى لأن النصوص مؤيدة له . وقد غفل عنه من أجازوا للعامة اتخاذ أولياء يتوجهون إليهم بالدعاء وطلب الحاجات ويسمون ذلك توسلا بهم إلى اللّه وإنما هو عبادة لهم من دون اللّه . ففي الحديث الصحيح « الدعاء هو العبادة » وتلا صلّى اللّه عليه وسلّم قوله تعالى
( 40 : 60 وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي )
الآية رواه أحمد وأصحاب السنن الأربعة وغيرهم
وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ
أي ولكن يأمرهم النبي الذي أوتى الكتاب والحكم بأن يكونوا منسوبين إلى الرب مباشرة من غير توسطه هو ولا التوسل بشخصه وإنما يهديهم إلى الوسيلة الحقيقية الموصلة إلى ذلك وهي تعليم الكتاب ودراسته . فبعلم الكتاب وتعليمه والعمل به يكون الانسان ربانيا مرضيا عند اللّه تعالى . فالكتاب هو واسطة القرب من اللّه تعالى ، والرسول هو الواسطة المبلغة للكتاب كما قال تعالى
( 42 : 48 إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ )
فلا يمكن لأحد أن يتقرب إلى اللّه بشخص الرسول بل بما جاء به الرسول ( راجع تفسير آية 31
قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ )
والآيات المقررة لهذه الحقيقة كثيرة جدا قال الأستاذ الامام ما مثاله مفصلا : أفادت الآية أن الانسان يكون ربانيا بعلم الكتاب ودرسه وبتعليمه للناس ونشره ومن المقرر أن التقرب إلى اللّه تعالى لا يكون إلا بالعمل بالعلم ، والعلم الذي لا يبعث إلى العمل لا يعد علما صحيحا . لأن العلم الصحيح ما كان صفة للعالم وملكة راسخة في نفسه وإنما الأعمال آثار الصفات والملكات والمعلم يعبر عما رسخ في نفسه . ومن لم يحصل من علم الكتاب إلا صورا وتخيلات تلوح في الذهن ولا تستقر في النفس لا يمكنه أن يكون معلما له يفيض العلم على غيره كما أنه لا يكون عاملا به على وجهه كما ثبت بالمشاهدة والاختبار أي في نحو العلوم الفنية . فان من لا يعرف من الهندسة إلا بعض الاصطلاحات والمسائل الناقصة لا يمكنه أن يكون مهندسا بالفعل ولا أن يكون معلما للهندسة ومراد الأستاذ أن العلم لما كان يستلزم العمل استغنى بذكره عن التصريح بالعمل كما يستغنى عن ذكر العلم عنه ما يعلق الجزاء على العمل لأن العمل الصحيح لا يكون إلا عن العلم الصحيح