تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 347

مساهمون:

ص٣٤٧
النفس فيها مذاهب التأويل فالعمل هو الذي يقرر الحق فيها . وقد تقدم عنه تفسير الحكمة بفقه الكتاب ومعرفة أسراره وأن ذلك يستلزم العمل به وانما قال
وَالنُّبُوَّةَ
بعد قوله يؤتيه اللّه الكتاب لأن المرسل إليهم يقال إنهم أوتوا الكتاب
ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي
العباد جمع عبد بمعنى عابد والعبيد جمع له بمعنى مملوك أي بأن تتخذونى إلها أو ربا لكم
مِنْ دُونِ اللَّهِ
أي كائنين لي من دون اللّه أو كونوا عابدين لي من دونه . وقيل معناه حال كونكم متجاوزين اللّه تعالى أي متجاوزين ما يجب من إفراده بالعبادة وتخصيصه بالعبودية . وقطع أبو السعود بأن ذلك يصدق بعبادة غيره استقلالا أو اشتراكا وله عندي وجهان أحدهما أن العبادة الصحيحة للّه تعالى لا تتحقق إلا إذا خلصت له وحده فلم تشبها شائبة ما من التوجه إلى غيره كما قال
( 39 : 14 قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي )
وقال
( 98 : 5 وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ )
والآيات في هذا المعنى كثيرة فمن دعا إلى عبادة نفسه فقد دعا الناس إلى أن يكونوا عابدين له من دون اللّه وإن لم ينههم عن عبادة اللّه ، بل وان أمرهم بعبادة اللّه . ومن جعل بينه وبين اللّه واسطة في العبادة كالدعاء فقد عبد هذه الواسطة من دون اللّه لأن هذه الوساطة تنافى الاخلاص له وحده . ومتى انتفى الاخلاص انتفت العبادة ولذلك قال
( 39 : 2 فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ ، وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ )
الآية فلم يمنع توسلهم بالأولياء اليه تعالى أن يقول إنهم اتخذوهم من دونه . ويدل عليه أيضا قوله صلّى اللّه عليه وسلّم « قال اللّه تعالى أنا أغنى الشركاء عن الشرك ، من عمل عملا أشرك فيه معي غيرى تركته وشركه - وفي رواية - فأنا منه برئ ، هو للذي عمل له » رواه مسلم وغيره وقوله صلّى اللّه عليه وسلّم « إذا جمع اللّه الناس يوم القيامة ليوم لا ريب فيه نادى مناد من أشرك في عمل عمله للّه أحدا فليطلب ثوابه من عند غير اللّه . فان اللّه أغنى الشركاء عن الشرك » رواه أحمد . والوجه الثاني أن من يتوجه بعبادته إلى غير اللّه تعالى على أنه وسيلة اليه ومقرب منه وشفيع عنده ، أو على أنه متصرف بالنفع ودفع الضر لقربه منه فتوجهه هذا اليه عبادة له مقدرة بقدرها فهو عبد له في هذا القدر من