تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 32

مساهمون:

ص٣٢
رجع نظر البصيرة لرأى أن الشفيع قد أعلم السلطان أن هذا الرجل الجاني ممن يلوذ به ويهمه شأنه ويرضيه بقاؤه ولم يكن يعلم ذلك . فالشفاعة المعروفة التي يغتر بها الكافرون والفاسقون ويظنون أن اللّه تعالى يرجع عن تعذيب من استحق العذاب منهم لأجل أشخاص ينتظرون شفاعتهم هي مما يستحيل على اللّه تعالى لأنها - وهي من شأن أهل الظلم والبغى - تستلزم الجهل وهو ذو العلم المحيط
وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ
ومن علم شيئا منك فلا سبيل له إلى التصدي لا علامك به . فماذا عسى أن يقول من يريد الشفاعة عنده بالمعنى الذي يعهده الناس ويغتر به الحمقى الذين يرجون النجاة بها في الآخرة بدون مرضاة اللّه تعالى في الدنيا . قال الأستاذ الامام : معناه أن الشفاعة تتوقف على إذنه وإذنه . لا يعلم إلا بوحي منه تعالى يريد أن ذلك ترق في نفيها من دليل إلى آخر ، أي إذا أمكن أن تكون هناك شفاعة بمعنى آخر يليق بجلال اللّه تعالى كالدعاء المحض . فإنه لا يجرأ عليها أحد في ذلك اليوم العصيب إلا باذن اللّه تعالى . وإذنه تعالى مما استأثر بعلمه فلا يعلمه غيره إلا إذا شاء إعلامه به . ثم قال : وإنما يعرف إذنه تعالى بما حدده من الأحكام في كتابه أي فمن بين انه مستحق لعقابه فهو مستحق له لا يجرأ أحد أن يدعو له بالنجاة ومن بين أنه مستحق لرضوانه على هفوات ألم بها لم تحول وجهه عن اللّه تعالى إلى الباطل والفساد الذي يطبع على الروح فتسترسل في الخطايا حتى تحيط بها وتملك عليها أمرها فذلك مستحق له منته إليه بوعد اللّه في كتابه وفضله على عباده كما سبق في علمه الأزلي ثم قال الأستاذ الامام : قالوا إن للاستثناء في قوله تعالى
« إِلَّا بِإِذْنِهِ »
واقعا وهو أن نبينا عليه الصلاة والسّلام يشفع في فصل القضاء فيفتح باب الشفاعة فيدخل فيه غيره من الشفعاء كالأنبياء والأصفياء كما ثبت في الأحاديث . وهي مسألة أنكرها المعتزلة وأثبتها أهل السنة . واللّه تعالى يأذن لمن يشاء ، ويطلع على علمه باستحقاق الشفاعة من يشاء ، كما علم من الاستثناء ، ونقول : أجمع كل من أهل السنة والمعتزلة وسائر فرق المسلمين على كمال علم اللّه تعالى واحاطته وذلك يستلزم استحالة الشفاعة عنده بالمعنى المعهود ، كما سبق القول وقلنا هناك : ان مثل هذا الاستثناء ورد في القرآن لتأكيد النفي . وبذلك نجمع بين الآيات التي تنفى الشفاعة بدون الاستثناء وبين