تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 31

مساهمون:

ص٣١
وأفسد في الأرض ، وأعرض عن السنة والفرض ، من ذا الذي يقدم على هذا من عبيده
إِلَّا بِإِذْنِهِ
والأمر كله له صورة وحقيقة . وليس هذا الاستثناء نصا في أن الاذن سيقع ، وإنما هو كقوله
( 11 : 105 يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ )
فهو تمثيل لانفراده بالسلطان والملك في ذلك اليوم
( 81 : 19 يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ )
ولهذا قال البيضاوي في تفسير الجملة : « بيان لكبرياء شأنه وأنه لا أحد يساويه أو يدانيه ويستقل بأن يدفع ما يريده شفاعة واستكانة فضلا عن أن يعاوقه عنادا أو مناصبة » وقال الأستاذ الامام ما محصله : إن في هذا الاستثناء قطعا لأمل الشافعين والمتكلين على الشفاعة المعروفة التي كان يقول بها المشركون وأهل الكتاب عامة ببيان انفراده تعالى بالسلطان والملك وعدم جراءة أحد من عبيده على الشفاعة أو التكلم بدون إذنه ، وإذنه غير معروف لأحد من خلقه . ثم قال تعالى :
يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ
أي ما قبلهم وما بعدهم أو بالعكس أو أمور الدنيا التي خلفوها وأمور الآخرة التي يستقبلونها أو ما يدركون وما يجهلون . وهذا دليل على نفى الشفاعة بالمعنى المعروف . وبيان ذلك أنه لما كان عالما بكل شئ فعله العباد في الماضي وما هو حاضر بين أيديهم وما يستقبلهم وكان ما يجازيهم به مبنيا على هذا العلم كانت الشفاعة المعهودة مما يستحيل عليه تعالى . لأنها لا تتحقق إلا باعلام الشفيع المشفوع عنده من أمر المشفوع له ، وما يستحقه ما لم يكن يعلم . مثال ذلك : إذا أراد عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه أن ينفى رجلا من المدينة ولا يمكن أن يريد ذلك وهو عادل - إلا إذا كان يعتقد المصلحة فيه بأن يكون الرجل مفسدا ضارا بالناس . فإذا شفع له شافع ولم يبين لعمر ما لم يكن يعلم من أن المصلحة في بقائه دون نفيه . فإنه لا يقبل شفاعته . هذا إذا كانت الشفاعة عند سلطان عادل كعمر . وأما إذا كانت عند سلطان جائر فيجوز أن تقبل ويترك نفى المفسد الضار بالناس لأجل مرضاة الشفيع ، كأن يكون من أعوان السلطان وبطانته الذين يؤثر مرضاتهم على المصلحة العامة لأنهم يؤثرون هواه على المصلحة الحقيقية . وفي هذه الحال يظن الغافل أن الشفاعة ليس فيها إعلام المشفوع عنده بما لم يكن يعلم ولو