تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 30

مساهمون:

ص٣٠
وسنان أقصده النعاس فرنقت * في عينه سنة وليس بنائم
والنوم معروف لكل أحد وان اختلف تعريفه من جهة بيان سببه قال البيضاوي « والنوم حال يعرض للحيوان من استرخاء أعصاب الدماغ من رطوبات الأبخرة المتصاعدة بحيث تقف الحواس الظاهرة عن الاحساس رأسا » وهو قول الأطباء المتقدمين . وللمتأخرين أقوال أخرى مختلفة سنشير إلى بعضها . قيل : كان الظاهر أن ينفى النوم أولا والسنة بعده على طريق الترقي . وأجيب بأن ما في النظم جاء على حسب الترتيب الطبيعي في الوجود فنفى ما يعرض أولا ثم ما يتبعه وقد قال : لا تأخذه : دون لا تعرض له أو لا تطرأ عليه مراعاة للواقع في الوجود فان السنة والنوم يأخذان الحيوان عن نفسه أخذا ويستوليان عليه استيلاء . وقال الأستاذ الامام : ان ما ذكر في النظم الكريم ترق في نفى هذا النقص ومن قال بعدم الترقي فقد غفل عن معنى الأخذ وهو الغلب والاستيلاء ومن لا تغلبه السنة قد يغلبه النوم ، لأنه أقوى فذكر النوم بعد السنة ترق من نفى الأضعف إلى نفى الأقوى : والجملة تأكيد لما قبلها مقررة لمعنى الحياة والقيومية على أكمل وجه فان من تأخذه السنة والنوم يكون ضعيف الحياة وضعيف القيام بنفسه أو على غيره أقول : ويظهر هذا على رأى المتأخرين في سبب النوم أكمل الظهور وإن كان بديهيا في نفسه ، فإنهم يقولون إن النوم عبارة عن بطلان عمل المخ بسبب ما تولده الحركة من السموم الغازية المؤثرة في العصب وقيل بسبب ما تفرزه الحويصلات العصبية من الماء الكثير بالفعل الكيماوى وقت العمل فكثرة هذا الماء تضعف قابلية التأثر فيها . فتحدث فيها الفتور فيكون النوم ويستمر إلى أن يتبخر ذلك الماء وعند ذلك تتنبه الأعصاب ويرجع إليها تأثرها وإدراكها . فسبب النوم أمر جسماني محض واللّه تعالى منزه عن صفات الأجسام وعوارضها
لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
فهم ملكه وعبيده مقهورون لسنته خاضعون لمشيئته وهو وحده المصرف لشؤونهم والحافظ لوجودهم
مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ
منهم فيحمله على ترك مقتضى ما مضت به سنته ، وقضت به حكمته ، وأوعدت به شريعته ، من تعذيب من دسى نفسه بالعقائد الباطلة ، ودنسها بالأخلاق السافلة ،