تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 161

مساهمون:

ص١٦١
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ
التي أنزلها لهداية عباده وإرشادهم إلى طرق السعادة في المعاش والمعاد
لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ
بما يلقى الكفر في عقولهم من الخرافات والأباطيل التي تطفئ نورها ، وما يجرهم إليه من المعاصي والمفاسد التي تدسى نفوسهم وتدنسها حتى تكون ظلمة عقولهم وفساد نفوسهم منشأ عذابهم الشديد في تلك الدار الآخرة التي تغلب فيها الحياة الروحية العقلية على الحياة البدنية المادية فلا يكون لهم شاغل ولا مسل من المادة عما فاتهم من النعيم وما أصابهم من الجحيم
وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ
فهو بعزته ينفذ سننه فينتقم ممن خالفها بسلطانه الذي لا يعارض . والانتقام من النقمة وهي السطوة والسلطة ويستعمل أهل هذا العصر الانتقام بمعنى التشفي بالعقوبة وهو بهذا المعنى محال على اللّه تعالى . * * *
إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ
فهو ينزل لعباده من الكتب ويعطيهم من المواهب ما يعلم أن فيه صلاحهم إذا أقاموه ويعلم حقيقة أمرهم في سرهم وجهرهم لا يخفى عليه أمر المؤمن الصادق وأمر الكافر والمنافق ولا حال من أسر الكفر واستبطن النفاق وأظهر الايمان والصلاح ومن أكره على الكفر وقلبه مطمئن بالايمان ، وكأن هذا الاستئناف البياني دليل على ما قبله ثم استدل عليه باستئناف مثله على سبيل الالتفات فقال
هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ
الأرحام : هو جمع رحم وهو مستودع الجنين من المرأة ومن عرف ما في تصوير الأجنة في الأرحام من الحكم والنظام علم أنه يستحيل أن يكون بالمصادفة والاتفاق وأذعن بأن ذلك فعل عالم خبير بالدقائق ، حكيم يستحيل عليه العبث عزيز لا يغلب على ما قضى به علمه وتعلقت به إرادته ، واحد لا شريك له في إبداعه
لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
وإذا فهمت معنى هذه الآيات في نفسها فاعلم أن المفسرين قالوا - كما أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر - إنها نزلت وما بعدها إلى نحو ثمانين آية في نصارى نجران ، إذ وفدوا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وكانوا ستين راكبا فذكروا عقائدهم واحتجوا على التثليث وألوهية المسيح بكونه خلق على غير السنة التي عرفت في توالد البشر ، وبما جرى على يديه من الآيات وبالقرآن نفسه فأنزل اللّه هذه