مبشر بالنبي الخاتم الذي يكمل الشريعة للبشر . وأما كونهما هدى للناس فهو ظاهر
* * *
وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ
أقول الفرقان مصدر كالغفران وهو هنا ما يفرق ويفصل به بين الحق والباطل قال بعضهم المراد به القرآن وهو مردود بقوله في أول الآية
« نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ »
وقال غيرهم هو كل ما يفرق به بين الحق والباطل في كل أمر كالدلائل والبراهين واختاره ابن جرير ، وقيل هو خاص ببيان الحق في أمر عيسى عليه السّلام كما جاء في هذه السورة وقال الأستاذ الامام إن الفرقان هو العقل الذي به تكون التفرقة بين الحق والباطل وإنزاله من قبيل إنزال الحديد . لأن كل ما كان عن الحضرة العلية الإلهية يسمى إعطاؤه إنزالا : وما قاله قريب مما اختاره ابن جرير من التفسير المأثور فان العقل هو آلة التفرقة ويؤيد ذلك قوله تعالى في سورة الشورى
( 42 : 15 اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزانَ )
وقد فسروا الميزان بالعدل فاللّه تعالى قرن بالكتاب أمرين أحدهما الفرقان وهو ما نعرف به الحق في العقائد فنفرقه من الباطل وثانيهما الميزان وهو ما نعرف به الحقوق في الأحكام فنعدل بين الناس فيها وكل من العقل والعدل من الأمور الثابتة في نفسها فكل ما قام عليه البرهان العقلي في العقائد وغيرها فهو حق منزل من اللّه وكل ما قام به العدل فهو حكم منزل من اللّه وإن لم ينص عليه في الكتاب فإنه تعالى هو المنزل أي المعطى للعقل والعدل أو الفرقان والميزان كما أنه سبحانه هو المنزل أي المعطى للكتاب ولسنا نستغني بشئ من مواهبه المنزلة عن آخر . وما زال علماء الكلام وأهل التوحيد يعدون البراهين العقلية هي الأصل في معرفة العقائد الدينية ويجب على علماء الأحكام وأهل الفقه أن يحذوا حذوهم في العدل فيعلموا أنه يمكن أن يعرف ويطلب لذاته وأن النصوص الواردة في بعض الأحكام مبينة له وهادية اليه وأكثر الاحكام القضائية في الاسلام اجتهادية فيجب أن يكون أساسها تحرى العدل . والغزالي يفسر الميزان بالعقل الذي يؤلف الحجج ويميز بين الحق والباطل والعدل والجور وغير ذلك . وفي حديث جابر عند البيهقي « قوام المرء العقل ولا دين لمن لا عقل له » ومن حديثه عند أبي الشيخ في الثواب وابن النجار « دين المرء عقله ومن لا عقل له لا دين له »