تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 139

مساهمون:

ص١٣٩
على أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فأتوا رسول اللّه ( ص ) ثم جثوا على الركب فقالوا يا رسول اللّه كلفنا من الأعمال ما نطيق الصلاة والصيام والجهاد والصدقة . وقد أنزل اللّه هذه الآية ولا نطيقها . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتاب من قبلكم : سمعنا وعصينا ؟ بل قولوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير » فلما اقترأها القوم وذلت بها ألسنتهم أنزل اللّه في أثرها * * *
( آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ )
الآية . فلما فعلوا ذلك نسخها اللّه تعالى فأنزل
( لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها )
إلى آخرها » وأخرج أحمد ومسلم والترمذي والنسائي من حديث ابن عباس نحوه . وأخرج البخاري والبيهقي عن مروان الأصفر عن رجل من الصحابة أحسبه ابن عمر
« وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ »
الآية قال نسخها ما بعدها . واحتجوا للنسخ بحديث أبي هريرة في الصحيحين والسنن « إن اللّه تجاوز لي عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم أو تعمل به » وأقول : ليس في هذه الروايات أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم صرح بأن الآية منسوخة وإنما قصاراها أن بعض الصحابة فهم أنها نسخت والروايات عنهم في ذلك مختلفة والقول بالنسخ ممنوع من وجوه ( أحدها ) أن قوله تعالى
( يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ )
خبر والأخبار لا تنسخ كما هو معروف في علم الأصول ( ثانيها ) أن كسب القلب وعمله مما دل الكتاب والسنة والاجماع والقياس على ثبوته والجزاء عليه ظهر أثره على الجوارح أم لم يظهر ، وهو ما دلت عليه الآية فالقول بنسخها إبطال للشريعة ونسخ للدين كله أو إثبات لكونه دينا جثمانيا ماديا لاحظ للأرواح والقلوب منه - قال تعالى
( 2 : 225 لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ )
وقال
( 17 : 36 إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا )
وقال
( 24 : 19 إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ )
والحب من أعمال القلب الثابتة في النفس . فقوله تعالى
« ما فِي أَنْفُسِكُمْ »
معناه ما ثبت واستقر في أنفسكم كما تقدم ويدخل فيه الكفر والأخلاق الراسخة والصفات الثابتة من الحب والبغض في الجور وكتمان الشهادة وقصد السوء