تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 141

مساهمون:

ص١٤١
كانوا عليه من الخوف من اللّه عز وجل واعتقاد النقص في أنفسهم حتى بعد كمال التزكية وتمام الطهارة حتى كان مثل عمر بن الخطاب يسأل حذيفة بن اليمان » هل يجد فيه شيئا من علامات النفاق » فأخبرهم اللّه تعالى بأنه لا يكلف نفسا الا وسعها ولا يؤاخذها الا على ما كلفها فهم مكلفون بتزكية أنفسهم ومجاهدتها بقدر الاستطاعة والطاقة وطلب العفو عما لا طاقة لهم به ، كما سيأتي تفصيله ولا يبعد أن يكون بعضهم قد خاف أن تدخل الوسوسة والشبهة قبل التمكن من دفعها في عموم الآية . فكان ما بعدها مبينا لغلطهم في ذلك . وأما تسمية بعضهم ذلك نسخا فقد أجاب عنه بعض المفسرين بأنه عبر بالنسخ عن البيان والايضاح تجوزا . ولك أن تقول : إن المراد به النسخ اللغوي وهو الإزالة والتحويل لا الاصطلاحي أي إن الآية الثانية كانت مزيلة لما أخافهم من الأولى أو محولة له إلى وجه آخر ويحتمل أن يكون الصحابي لم ينطق بلفظ النسخ وانما فهمه الراوي من القصة فذكره . وكثيرا ما يروون الأحاديث المرفوعة بالمعنى على أنه ليس من النص المرفوع ورأى الصحابي ليس بحجة عند الجماهير ، لا سيما إذا خالف ظاهر الكتاب . وانني لا أعتقد صحة سند حديث ولا قول عالم صحابي يخالف ظاهر القرآن ، وإن وثقوا رجاله فرب راو يوثق للاغترار بظاهر حاله ، وهو سىء الباطن ولو انتقدت الروايات من جهة فحوى متنها كما تنتقد من جهة سندها لقضت المتون على كثير من الأسانيد بالنقض . وقد قالوا إن من علامة الحديث الموضوع مخالفته لظاهر القرآن أو القواعد المقررة في الشريعة أو للبرهان العقلي أو للحس والعيان وسائر اليقينيات . أما ابداء ما في النفس فهو اظهاره بالقول أو بالفعل . وأما اخفاؤه فهو ضده والابداء والاخفاء سيان عند اللّه تعالى لأنه
( يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ )
فالمدار في مرضاته على تزكية النفس وطهارة السريرة لا على لوك اللسان وحركات الأبدان . وأما المحاسبة فهي على ظاهرها وان فسرها بعض بالعلم وبعض بالجزاء الذي هو غبها ولازمها ، ذلك أن للنفوس في اعتقاداتها وملكاتها وعزائمها وارادتها موازين يعرف بها يوم الدين رجحان الحق والخير أو الباطل والشر هي أدق مما وضع البشر من موازين الأعيان وموازين الاعراض كالحر والبرد
( 21 : 37 وَنَضَعُ
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 141 | الشيخ محمد رشيد رضا