تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 138

مساهمون:

ص١٣٨
في النفس تثيرها أو عن شئ لا يدخل في حيز الملكة . مثال ذلك الحسود تبعث ملكة الحسد في نفسه خواطر الانتقام من المحسود والسعي في إزالة نعمته لتمكنها في نفسه وامتلاكها لمنازع فكره ، وهذه الخواطر مما يحاسب عليها أبداها أو أخفاها إلا أن يجاهدها ويدافعها فذلك ما يكلفه . ومثال الثاني المظلوم يذكر ظالمه فيشتغل فكره في دفع ظلمه والهرب من أذاه وربما استرسل مع خواطره إلى أن تجره إلى تدبير الحيل للايقاع به ومقابلة ظلمه بما هو شر منه فيكون مؤاخذا عليها ، أبداها أو أخفاها وقد قال تعالى
( 5 : 80 لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ ( 81 ) كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ )
وذلك أن فظاعة المنكر زالت من نفوسهم بالأنس بها من أول الأمر . وهكذا يقال في كل أعمال القلب التي أمرنا الشرع بمجاهدتها ولا يدخل في هذا ما يمر في النفس من الخواطر والوساوس كما قيل ، وبنوا عليه أن الصحابة رضى اللّه عنهم شق عليهم العمل بالآية وشكوا للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم الوسوسة فنزلت الآية التي بعدها دفعا للحرج . ولفظ الآية يدفع هذا لأنها نص فيما هو ثابت في النفس ومتمكن منها كالأخلاق والملكات والعزائم القوية التي يترتب عليها العمل بأثرها فيها إذا انتفت الموانع وتركت المجاهدة . وكذلك يدفعه ما كان عليه الصحابة الكرام من علو الهمة والأخذ بالعزائم ، وهم الذين كانوا يفهمون القرآن حق الفهم ويتأدبون به ويقيمونه كما يجب ، وما أبعدهم عن الاسترسال مع الوساوس والأوهام هذا ما قاله الأستاذ الامام مفصلا وهو المتبادر من لفظ الآية ولا شك أن ما يجازى عليه مما في النفس يعم الملكات الفاضلة والمقاصد الشريفة وإنما مثل هو وغيره بالحقد والحسد لمناسبة السياق ، ولهذا السياق خصه بعضهم بكتمان الشهادة ، وهو مروى عن ابن عباس وعكرمة والشعبي ومجاهد . ورد ذلك الأكثرون بأنه مخالف لعموم اللفظ ، وخصه بعضهم بالكفار وهو تخصيص بلا مخصص أيضا ، وذهب الجمهور إلى أن الآية منسوخة بما بعدها . أخرج أحمد ومسلم وأبو داود في ناسخه وغيرهم عن أبي هريرة قال « لما نزلت على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم
( لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ )
اشتد ذلك