تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 118

مساهمون:

ص١١٨
( 283 ) وَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كاتِباً فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ . فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ . وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ ، وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ، وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ *
ذكر الأستاذ الامام رحمه اللّه تعالى في وجوه الاتصال بين هاتين الآيتين وما قبلهما صفوة ما قال المفسرون موضحا ونذكر صفوة ما قاله كذلك : الكلام في الأموال بدأ بالترغيب في الصدقات والانفاق في سبيل اللّه وذلك محض الرحمة وثنى بالنهى عن الربا الذي هو محض القساوة ثم جاء بأحكام الدين والتجارة والرهن : أقول وهي محض العدالة فقد أمرنا اللّه ببذل المال حيث ينبغي البذل وهو الصدقة والانفاق في سبيله ، وبتركه حيث ينبغي الترك وهو الربا ، وبتأخيره حيث ينبغي التأخير وهو إنظار المعسر وبحفظه حيث ينبغي الحفظ وهو كتابة الدين والاشهاد عليه وعلى غيره من المعاوضات وأخذ الرهن إذا لم يتيسر الاستيثاق بالكتابة والاشهاد . ذلك بأن من يضيع ماله باهمال المحافظة عليه لا يكون محمودا عند الناس ولا مأجورا عند اللّه ، كما قال الحسن عليه الرضوان في المغبون بالبيع . قال الأستاذ الامام : ولما كانت سلطة صاحب الربا قد زالت بتحريمه ولم يبق له إلا رأس المال وقد أمر بانظار المعسر فيه ، وكان لا بد لحفظه من كتابته إذ ربما يخشى ضياعه بالانظار إلى الأجل - جاء بعد أحكام الربا بأحكام الدين ونحوه وبقول بعض المعسرين : وله الحق ، إنه تقدم في الآيات طلب الانفاق والتصدق ثم حكم الربا الذي يناقض الصدقة ثم جاء هنا بما يحفظ المال الحلال لأن الذي يؤمر بالانفاق والصدقة ، ويترك الربا لا بد له من كسب ينمى ماله ويحفظه من الضياع ليتسنى له القيام بالانفاق في سبيل اللّه ولا يضطر بالفاقة إلى الوقوع فيما حرم اللّه . وهذا يدل على أن المال ليس مذموما لذاته في دين اللّه ولا مبغضا عنده تعالى على الاطلاق كيف وقد شرع لنا الكسب الحلال وهدانا إلى حفظ المال وعدم تضييعه وإلى اختيار الطرق النافعة في إنفاقه بأن نستعمل عقولنا في تعرفها ونوجه إرادتنا إلى العمل بخير ما نعرفه منها . ففي آية الدين بعد ما تقدم احتراس أو استدراك مزيل