ما عساه يتوهم من الكلام السابق وهو أن المبالغة في الترغيب في الانفاق في سبيل اللّه والتشديد في تحريم الربا يدلان على أن جمع المال وحفظه مذموم على الاطلاق كما هو ظاهر نصوص بعض الأديان السابقة . فكأنه يقول إنا لا نأمركم بإضاعة المال وإهماله ، ولا بترك استثماره واستغلاله ، إنما نأمركم بأن تكسبوه من طرق الحل ، وتنفقوا منه في طرق الخير والبر ، أقول ويؤيد هذا المعنى قوله تعالى في سورة النساء
( 4 : 5 وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً )
أي تقوم وتثبت بها منافعكم ومصالحكم وحديث « نعما المال الصالح للمرء الصالح » رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط من حديث عمرو بن العاص بسند صحيح وإنما المذموم في الشرع أن يكون الانسان عبدا للمال ، يبخل به ويجمعه من الحرام والحلال ، كما ورد في حديث أبي هريرة عند البخاري « تعس عبد الدينار تعس عبد الدرهم » الحديث . ولولا أن إزالة هذا الوهم مقصود لما جاءت آية الدين بما جاءت به من المبالعة والتأكيد في كتابة الدين والاشهاد عليه مع ما يعهد في أسلوب القرآن من الايجاز لا سيما في الأحكام العملية وقد عد القفال هذه التأكيدات في الأية فبلغت تسعة . أقول وفي الآية الأولى خمسة عشر أمرا ونهيا
وذكر الرازي وجها آخر للاتصال في النظم عزاه إلى قوم من المفسرين « قالوا إن المراد بالمداينة السلم فاللّه سبحانه لما منغ الربا في الآية المتقدمة أذن في السلم في جميع هذه الآية مع أن جميع المنافع المطلوبة من الربا حاصلة في السلم ولهذا قال بعض العلماء لا لذة ولا منفعة يوصل إليها بالطريق الحرام إلا وضع اللّه سبحانه وتعالى لتحصيل مثل تلك اللذة طريقا حلالا وسبيلا مشروعا » ا ه وأقول إن الفرق بين الربى القطعي المحرم في القرآن وبين السلم أن الربح في السلم ليس من شأنه أن يكون أضعافا مضاعفة كربا النسيئة ولولا ذلك لم يظهر لتحريم الربا مع إباحة السلم فائدة إذ ليس في أمور المكاسب والمعايش تعبد لا يعقل . وإذ قد فهمت وجه اتصال الآيتين بما قبلهما فهاك تفسيرهما وفيهما عدة أحكام :
1 -
* * *
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ
تداينتم داين بعضكم بعضا ، وهو يأتي بمعنى تعاملتم بالدين وبمعنى تجازيتم ولما قال بدين