بيوتهم . وفي حديث ابن مسعود عند أحمد وابن ماجة والحاكم وأخرجه ابن جرير في التفسير « ان الربا وان كثر فعاقبته تصير إلى قل » وقال الضحاك إن هذا المحق في الآخرة بأن يبطل ما يكون منه مما يتوقع نفعه ، فلا يبقى لأهله منه شئ وقال الأستاذ الامام : ليس المراد بهذا المحق محق الزيادة في المال فان هذا مكابرة للمشاهدة والاخبار ، وإنما المراد ما يلاقى المرابى من عداوة الناس وما يصاب به في نفسه من الوساوس وغيرها . أما عداوة الناس فمن حيث هو عدو المحتاجين وبغيض المعوزين ، وقد تفضى العداوة والبغضاء إلى مفاسد ومضرات ، واعتداء على الأموال والأنفس والثمرات ، وقد طهر أثر ذلك في الأمم التي فشا فيها الربا إذ قام الفقراء فيها يعادون الأغنياء ويتألب العمال عليهم حتى صارت هذه المسألة أعقد المسائل عندهم . وأما ما يصاب به في نفسه من الوساوس والأوهام فهو ما لا يعرفه إلا من راقب هؤلاء العابدين للمال وبلا أخبارهم . ولا أذكر عنه مثالا على ذلك وما الأمثال فيه بقليلة . فمنهم من يشغله المال عن طعامه وشرابه وعن أهله وولده حتى يقصر في حق نفسه وحقوقهم تقصيرا يفضى إلى الخسر أو المهانة والذل ، ومنهم من يركب لذلك الصعب ويقتحم الخطر حتى يكون من الهالكين .
وأقول : المحق في اللغة محو الشئ والذهاب به كمحاق القمر وكل ما لا يحسن المرء عمله فقد محقه كما في الأساس ، فلعل المراد بمحق الربا محو ما يطلب الناس بزيادة المال من اللذة وبسطة العيش والجاه والمكانة وزيادة الربا تذهب بذلك لاشتغال المرابى غالبا عن اللذة وخفض المعيشة بولهه في ماله ولمقت الناس إياه وكراهتهم له كما علم مما تقدم فهو لم يحسن التصرف في التوصل إلى ثمرة المال . وأما إرباء الصدقات فهو زيادة فائدتها وثمرتها في الدنيا وأجرها في الآخرة كما تقدم في تفسير آيات الصدقة ومضاعفة اللّه إياها « فمعنى »
يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ .
أن سنته قضت في عابد المال الذي لا يرحم معوزا ولا ينظر معسرا إلا بمال يأخذه ربا بدون مقابل أن يكون محروما من الثمرة الشريفة للثروة وهي كون صاحبها ناعما عزيزا شريفا عند الناس لكونه مصدرا لخيرهم والتفضل عليهم وإعانتهم على زمنهم ، كما يكون محروما في الآخرة من ثواب المال فهو في عدم انتفاعه بماله هذا