تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 423

مساهمون:

ص٤٢٣
الكلب لترميه بالبعرة وان طال الزمان وبه قال بعضهم ، وقيل بل ترمي بها ما عرض من كلب أو غيره ، وقالوا إن المعنى في ذلك عندهم ان ما فعلته من التربص في تلك المشقة والجهد هو عندها بمنزلة البعرة التي رمتها احتقارا له وتعظيما لحق زوجها وقيل هو إشارة إلى رمي العدة والتفلت منها . وقيل بل هو تفاؤل بعدم العود إلى مثلها وتمني أن تموت في كنف من عساها تتزوج به إذا علمت هذا وأمثاله مما كانت عليه العرب من العادات السخيفة والخرافات الشائنة المهينة للمرأة ، يظهر لك شأن ما جاء به الاسلام من الاصلاح في ذلك ، إذ جعل العدة على نحو الثلث مما كانت عليه ، ولم يحرم فيها إلا الزينة والطيب ، والتعرض لأنظار الخاطبين من مريدي التزوج ، دون النظافة والجلوس في كل مكان من البيت مع النساء والمحارم من الرجال . وهذا الذي امر به الاسلام يليق ويحسن في كل شعب وجيل في كل زمن وعصر ، لا يشق على بدو ولا حضر ، وقد رأيت أن سعة الدين وتكريمه للنساء قد كادت تنسي المسلمات ما لم يبعد العهد به من عادتهن وتخرج بهن من كل قيد ، حتى استأذن من استأذن منهن بالكحل بحجة الخيفة على العين من المرة « * » أو الرمد حتى ذكرهن صلّى اللّه عليه وسلّم بذلك . واستشكل في الحديث المنع من الكحل للتداوي كما هو ظاهر من قولها « فخشوا على عينها » مع ما علم من أصول الشريعة التي لا خلاف فيها من انتفاء العسر والحرج ، ومن كون الضرورات تبيح المحظورات ، وكون الضرر والضرار ممنوعين ، ومن الترخيص في الكحل للتداوي بالليل دون النهار - لان الليل ابعد من مظنة الزينة - في حديث الموطأ عن أم سلمة ، وفيه ان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال « اجعليه بالليل وامسحيه بالنهار » وحديث أبي داود « فتكتحلين بالليل وتغلسينه بالنهار » وأجيب عن حديث النهي المطلق بأجوبة منها حمله على كحل الزينة كأنه علم بالقرينة ان السؤال كان عنه أو لأجله ، ومنها غير ذلك مما لا حاجة لاستيفائه هنا ، وينبغي أن نتذكر أن الليل صار كالنهار في أمصارنا أو أشد إظهارا للزينة
هامش
( * ) المرة بالتحريك فساد الأجفان من ترك الكحل
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 423 | الشيخ محمد رشيد رضا