تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 359

مساهمون:

ص٣٥٩
الحيض ولا يؤاكلوهن كفعل اليهود والمجوس ، ومن شأن الناس التساهل في أمور الدين التي تتعلق بالحظوظ والشهوات فلا يقفون عند الحدود المشروعة فيها لمنفعتهم ومصلحتهم فكان اختلاف ما عرف المسلمون عن أهل الكتاب مما يحرك النفس للسؤال عن حكم المحيض في هذه الشريعة المصلحة ، فسألوا كما في حديث أنس الآتي قريبا فأنزل اللّه تعالى على نبيه
وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ
أي عن حكمه والمحيض هو الحيض المعروف وهو الدم الذي يخرج من الرحم على وصف مخصوص في زمن معلوم ، لوظيفة حيوية صحية تعد الرحم للحمل بعده إذا حصل التلقيح المقصود من الزوجية لبقاء النوع . فالمحيض كالحيض مصدر كالمجيء والمبيت ويطلق على زمان الحيض ومكانه ، والمرأة حائض بدون تاء لأنه وصف خاص وجمعه حيض بتشديد الياء ( كراكع وركع ) وورد حائضة وجمعه حائضات . ولا حاجة إلى تقدير محل المحيض فإنما يسأل الشارع عن الاحكام
قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ
قدم العلة على الحكم ورتبه عليها ليؤخذ بالقبول من المتساهلين الذين يرون الحجر عليهم تحكما ، ويعلم أنه حكم للمصلحة لا للتعبد كما عليه اليهود ، والمراد من النهي عن القرب النهي عن لازمه الذي يقصد منه وهو الوقاع ، والمعنى أنه يجب على الرجال ترك غشيان نسائهم زمن المحيض لان غشيانهن سبب للأذى والضرر ، وإذا سلم الرجل من هذا الأذى فلا تكاد تسلم منه المرأة لان الغشيان يزعج أعضاء النسل فيها إلى ما ليست مستعدة له ولا قادرة عليه لاشتغالها بوظيفة طبيعية أخرى هي إفراز الدم المعروف . وقد فسر الجلال الأذى بالقذر تبعا لغيره على أن أخذه على ظاهره وهو الضرر مقرر في الطب فلا حاجة إلى العدول عنه . وقد جاء هذا الحكم وسطا بين افراط الغلاة الذين يعدون المرأة الحائض وكل من يمسها أو يمس ثيابها أو فراشها من النجاسات ، وتفريط المتساهلين الذين يستحلون ملابستها في الحيض على ما فيه من الأذى والدنس وقد أفادت عبارة الآية الكريمة تأكيد الحكم إذ أمرت باعتزال النساء في
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 359 | الشيخ محمد رشيد رضا