تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 55

مساهمون:

ص٥٥
و ( الدين ) يطلق في اللغة على الحساب وعلى المكافأة وورد « كما تدين تدان » وقال الشاعر :
ولم يبق سوى العدوا * ن دنّاهم كما دانوا
وعلى الجزاء وهو قريب من معنى المكافأة ، وعلى الطاعة ، وعلى الإخضاع وعلى السياسة يقال : دنته ، ودينته فلانا ( بالتشديد ) أي وليته سياسته وهو قريب من معنى الإخضاع ، وعلى الشريعة وما يؤخذ العباد به من التكاليف . والمناسب هنا من هذه المعاني الجزاء والخضوع . وإنما قال
« يَوْمِ الدِّينِ »
ولم يقل « الدين » لتعريفنا بأن للدين يوما ممتازا عن سائر الأيام ، وهو اليوم الذي يلقى فيه كل عامل عمله ويوفّى جزاءه . ولسائل أن يسأل : أليست كل الأيام أيام جزاء . وكل ما يلاقيه الناس في هذه الحياة من البؤس هو جزاء على تفريطهم في أداء الحقوق والقيام بالواجبات التي عليهم ؟ والجواب بلى إن أيامنا التي نحن فيها قد يقع فيها الجزاء على أعمالنا ولكن ربما لا يظهر لأربابه إلا على بعضها دون جميعها . والجزاء على التفريط في العمل الواجب إنما يظهر في الدنيا ظهورا تاما بالنسبة إلى مجموع الأمة لا إلى كل فرد من الأفراد ، فما من أمة انحرفت عن صراط اللّه المستقيم ولم تراع سننه في خليقته إلا وأحل بها العدل الإلهى ما تستحق من الجزاء كالفقر والذل وفقد العزة والسلطة . وأما الأفراد فإننا نرى كثيرا من المسرفين الظالمين يقضون أعمارهم منغمسين في الشهوات واللذات ، نعم إن ضمائرهم توبخهم أحيانا وإنهم لا يسلمون من المنغصات ، وقد يصيبهم النقص في أموالهم ، وعافية أبدانهم ، وقوة عقولهم . ولكن هذا كله لا يقابل بعض أعمالهم القبيحة ، لا سيما الملوك والأمراء الذين تشقى بأعمالهم السيئة أمم وشعوب . كذلك نرى من المحسنين في أنفسهم وللناس من يبتلى بهضم حقوقه ، ولا ينال الجزاء الذي يستحقه على عمله ، فإن كان قد ينال رضاء نفسه وسلامة أخلاقه وصحة ملكاته ، فما ذلك كل ما يستحق ، وفي ذلك اليوم يوفى كل فرد من أفراد العاملين جزاءه كاملا لا يظلم شيئا منه ، كما قال تعالى
« فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ »