تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 285

مساهمون:

ص٢٨٥
والمعصية وآثارهما ، وهي أن حالة الإنسان في هذا الطور لا تكون عصيانا مستمرا شاملا ، ولا تكون هدى واجتباء عاما - كما كان يفهم لو اقتصر على ذكر توبة اللّه على آدم وهدايته واجتبائه - وإنما الأمر موكول إلى اجتهاد الإنسان وسعيه ، ومن رحمة اللّه تعالى به أن يجعل في بعض أفراده الوحي ويعلمهم طرق الهداية ، فمن سلكها فاز وسعد ، ومن تنكبها خسر وشقى ، هذا هو السر في إعادة ذكر الهبوط لا أنه أعيد للتأكيد كما زعموا . قال تعالى
قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً
أي فقد انتهى طور النعيم الخالص والراحة العامة وادخلوا في طور لكم فيه طريقان : هدى وضلال ، إيمان وكفران ، فلاح وخسران
فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً
من رسول مرشد وكتاب مبين
فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ
الذي أشرعه ، وسلك صراطي المستقيم الذي أحدده
فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ
من وسوسة الشيطان ، ولا مما يعقبها من الشقاء والخسران
وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ
على فوت مطلوب ، أو فقد محبوب ، لأنهم يعلمون بهذه الهداية أن الصبر والتسليم مما يرضى اللّه تعالى ويوجب مثوبته ، ويفتح للانسان باب الاعتبار بالحوادث ، ويقويه على مصارعة الكوارث ، فيكون له من ذلك خير عوض عما فاته ، وأفضل تعزية عما فقده . قال الأستاذ الإمام ما مثاله : الخوف عبارة عن تألم الإنسان من توقع مكروه يصيبه ، أو توقع حرمان من محبوب يتمتع به أو يطلبه ، والحزن ألم يلم بالإنسان إذا فقد ما يحب ، وقد أعطانا اللّه جل ثناؤه الطمأنينة التامة في مقابلة ما تحدثه كلمة
( اهْبِطُوا )
من الخوف من سوء المنقلب . وما تثيره من كوامن الرعب ، فالمهتدون بهداية اللّه تعالى لا يخافون مما هو آت ، ولا يحزنون على ما فات ، لأن اتباع الهدى يسهل عليهم طريق اكتساب الخيرات ، ويعدهم لسعادة الدنيا والآخرة ، ومن كانت هذه وجهته ، يسهل عليه كل ما يستقبله ، ويهون عليه كل ما أصابه أو فقده ، لأنه موقن بأن اللّه يخلفه ، فيكون كالتعب في الكسب ، لا يلبث أن يزل بلذة الربح الذي يقع أو يتوقع .