تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 284

مساهمون:

ص٢٨٤
ثم جاء الطور الثالث وهو طور العقل والتدبر ، ووزن الخير والشر بميزان النظر والفكر ، وتحديد حدود للأعمال تنتهى إليها نزعات الشهوات ، ويقف عندها سير الرغبات ، وهو طور التوبة والهداية إن شاء اللّه . ( وأقول الآن ) إن توبة آدم عليه السّلام بناء على تفسير القصة بحمل الكلام على الحقيقة قد كانت بالرجوع إلى اللّه واعترافه مع حواء بظلمهما لأنفسهما وطلبهما المغفرة والرحمة منه تعالى ، لا بمجرد تدبر العقل ووزن الخير والشر بميزان الفكر الخ ما قاله شيخنا هنا تبعا لبعض علماء الاجتماع من المؤرخين ، وقد بين هو في بحث الحاجة إلى الرسالة من رسالة التوحيد أن عقل البشر لا يستقل بوضع حدود للأعمال تنتهى إليها نزغات الشهوات ؛ ويقف عندها سير الأهواء والرغبات ، بل لا بد له من تشريع إلهي لذلك ، ولكنه أوجز هنا فترك المسألة مبهمة مظلمة ، وإننا نرى أن طور العقل والفكر قد بلغ في هذا العصر مرتقى لم يعرف في التاريخ ما يقربه ، ووضع علماؤه وحكماؤه شرائع وقوانين لإيقاف التنازع والتخاصم عند حد لا يتفاقم شره ، ثم نرى أعلم هذه الأمم ودولها مبعث الشرور والشقاوة ، والخبث والرياء والحروب والفتن ، فلا هداية إلا هداية الدين الإلهى الذي تذعن له الأنفس بمحض العبودية للّه تعالى . ( قال ) وبقي طور آخر أعلى من هذه الأطوار ، وهو منتهى الكمال وأعنى به طور الدين الإلهى والوحي السماوي الذي به كمال الهداية الانسانية . وبيانه في قوله تعالى * * * ( 38 )
قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ
( 39 )
وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ .
* * * أمرهم اللّه تعالى بالهبوط مرتين ، فالأولى بيان لحالهم في أنفسهم بعد الهبوط من تلك الجنة أو الخروج من ذلك الطور وهو أن حالهم تقتضى العداوة والاستقرار في الأرض والتمتع بها ، وعدم الخلود فيها ، والثانية بيان لحالهم من حيث الطاعة
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 284 | الشيخ محمد رشيد رضا