فرأى خنفسة تتسلق جدارا وتقع فعدّ عليها الوقوع فزاد على ثلاثين مرة ولم تيأس حتى تمكنت بعد ذلك من تسلقه والانتهاء إلى حيث أرادت ، فقال : لن أرضى أن تكون هذه الخنفساء أثبت منى وأقوى عزيمة ، فرجع إلى الكتاب فقرأه حتى فهمه . ويقال إن ( تيمور لنك ) كانت تحدثه نفسه بالملك من أول نشأته ، على ما كان من فقره ومهانته . فسرق مرة غنما ( وكان لصا ) ففطن له الراعي فرماه بسهمين أصابا كتفه ورجله فعطلاهما ، فآوى إلى خربة وجعل يفكر في مهانته ويوبخ نفسه على طمعها في الملك ، ولكنه رأى نملة تحمل تبنة وتصعد إلى السقف وعندما تبلغه تقع ثم تعود وظلت على ذلك عامة الليل حتى نجحت في الصباح ، فقال في نفسه واللّه لا أرضى بأن أكون أضعف عزيمة وأقل ثباتا من هذه النملة ، وأصرّ على عزمه حتى صار ملكا وكان من أمره ما كان
* * *
( 27 ) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ
* * *
وصف الضالين بالفسوق ثم بين من حال فسوقهم نقض العهد الموثق ، وقطع ما يجب أن يوصل ، والإفساد في الأرض ، وسجل بذلك عليهم الخسران وحصرهم في مضيقه ، بحيث لا يسلم منه إلا من رجع عن فسوقه ، ( أقول ) فعلم بهذا أن المراد بإسناد الاضلال إليه تعالى في الآية السابقة بيان سنته تعالى في أصحاب هذه الأعمال من الفساق وهو أنهم يضلون حتى بما هو سبب من أشد أسباب الهداية تأثيرا وهو المثل المذكور بسبب رسوخهم في الفسق ونقضهم للعهد الخ .
وليس المعنى أنه تعالى خلق الضلال فيهم خلقا وأجبرهم عليه إجبارا
العهد هنا لفظ مجمل لم يتقدم الآيات ما يشعر به ، ولم يتل فيما تلاها ما يبينه ، وكذلك ما أمر اللّه به أن يوصل ، ليس في سابق الآيات ولا في لاحقها ما يفسره ويبين المراد منه ، فما المعنى الذي يتبادر منهما إلى أفهام المخاطبين ، ويصح أن يؤخذ من حال أولئك الفاسقين ، الذين أنكروا على اللّه أن يضرب مثلا يقتدى به « تفسير القرآن الحكيم » « 16 » « الجزء الأول »