تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 207

مساهمون:

ص٢٠٧
الاسلامية التي تسمونها الفقه لأنها هي التي تجرى عليها الأحكام ولم أعن الدين الاسلامي نفسه . » الخ ولا شك أن هذا الوجه من أظهر وجوه الاعجاز ، فان علوم العقائد الإلهية والغيبية والآداب والتشريع الديني والمدني والسياسي هي أعلى العلوم ، وقلما ينبغ فيها من الذين ينقطعون لدراستها السنين الطوال إلا الافراد القليلون ، فكيف يستطيع رجل أمي لم يقرأ ولم يكتب ولا نشأ في بلد علم وتشريع أن يأتي بمثل ما في القرآن منها تحقيقا وكمالا ، ويؤيده بالحجج والبراهين بعد أن قضى ثلثي عمره لا يعرف شيئا منها ، ولم ينطق بقاعدة ولا أصل من أصولها ، ولا حكم بفرع من فروعها إلا أن يكون ذلك وحيا من اللّه تعالى ؟

إعجاز القرآن بعجز الزمان عن إبطال شئ منه

( الوجه السادس ) أن القرآن يشتمل على بيان كثير من آيات اللّه تعالى في جميع أنواع المخلوقات من الجماد والنبات والحيوان والانسان ويصف خلق السماوات وشمسها وقمرها ودراريها ونجومها والأرض والهواء والسحاب والماء من بحار وأنهار وعيون وينابيع ، وفيه تفصيل لكثير من أخبار الأمم ، وبيان لطريق التشريع السوى الأمم ، وقد حفظ ذلك كله فيه بكلمه وحروفه منذ ثلاثة عشر قرنا ونيف ، ثم عجزت هذه القرون ، التي ارتقت فيها جميع العلوم والفنون ، أن تنقض بناء آية من آياته ، أو تبطل حكما من أحكامه ، أو تكذب خبرا من أخباره ، وهي التي جعلت فلسفة اليونان دكا ، ونسخت شرائع الأمم نسخا ، وتركت سائر علوم الأوائل قاعا صفصفا ، ووضعت لأخبار التاريخ قواعد فلسفية ، ورجعت في تحقيقها إلى ما عثر عليه المنقبون من الآثار العادية ، وحكمت فيها أصول العمران ، وما يسمونه سنن الاجتماع ، بحيث لم يبق لعلماء الأوائل كتابا غير مد عثر الأعضاد ، ساقط العماد وهذا النوع من أنواع الاعجاز ، غير ما تقدم من سلامته من التعارض والاختلاف ، فتلك في الماضي ، وهذه في الحاضر والمستقبل ، ذاك الاختلاف يقع من الناس بقلة العرفان ، وبضعف البيان ، أو بما يطرأ على صاحبه من الذهول والنسيان ، يريد بيان شئ فيخونه قلمه ولسانه ، ويعوزه ان يحيط بأطرافه ، وأن يجليه تمام التجلي لقارىء كلامه أو سامعه
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 207 | الشيخ محمد رشيد رضا