ثم يقول فيه قولا آخر على علم فتواتيه العبارة فيؤدى المراد ، فيختلف ما أبدأ مع ما أعاد ، أو يقول القول ثم ينساه ، فيأتي بما يخالفه في معناه ، أو يتكلم بما لا يعلم ، فيهرف بما لا يعرف ، وذلك عيب في الكلام وضعف في المتكلم هو من شأن البشر
إن ما يأخذه الناس من المسائل العلمية والفلسفية بالتسليم في زمانهم ثم يظهر ما يبطل تلك المسلمات ، وينقض ما بنيت عليه من النظريات ، لا يعد عيبا في قائله ، ولا ضعفا في بيانه ، وان كان موضوعه بيان تلك المسائل نفسها : لأنه مما لا يسلم منه البشر ، وأما من يتكلم في بعض مسائل الموجودات لبيان العبرة فيها ، أو الحث على الاستفادة منها ، لا لبيان حقيقتها في نفسها ، أو صفاتها الفنية عند أهل فنها ، فهو لا يكلف أن يبين تلك الحقيقة أو تلك الصفات التي لا تتعلق بغرضه من الكلام بالاصطلاحات العلمية والفنية ، وقد ينتقد منه هذا إذا كان مما يصرف السامع عن مراده منه ، أو يوجب نقصا في استفادته منه ، كما هو شأن الذين يعظون دهماء الناس من جميع الطبقات ويضربون لهم الأمثال بآيات اللّه تعالى ونعمه فيما سخر لهم من المخلوقات ، فإذا كان هذا النوع من الكلام الذي لا يعاب فيه مخالفته للمسائل الفنية - وقد يعاب فيه تكلف موافقتها - جاء مع ذلك إما موافقا وإما غير مخالف لمعارف أهل العصر الذي خوطب أهله به ، ثم تبين أن بعض هذه المعارف كانت جهلا ، وظهر أنه هو موافق لما تجدد من العلم الحق والتشريع العدل أو غير مخالف له ، فلا شك في أن هذه تعد له مزية خارقة للمعتاد في البشر ، وقد ثبت هذا للقرآن وحده ، فهو كتاب مشتمل على كثير من أمور العالم الكونية والاجتماعية مرت العصور وتقلبت أحوال البشر في العلوم والأعمال ولم يظهر فيه خطأ قطعي في شيء منها ، لهذا صح أن تجعل سلامته من هذا الخطأ ضربا من ضروب إعجازه للبشر ، وان لم يكن هذا مما تحدى به الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم من عجز البشر عن مثله ، لأنه لم يكن ليظهر إلا من بعده ، فادخر ليكون حجة على أهله
فان قيل : إن الطاعنين في الاسلام من الملاحدة ودعاة النصرانية يزعمون أن العلوم والفنون العصرية ؛ من طبيعية وفلكية وتاريخية ، قد نقضت بعض آيات القرآن في موضوعها ، وأن التشريع العصرى أقرب إلى مصالح البشر من تشريعه
قلت : إننا قد اطلعنا على أقوالهم في ذلك فألفينا أن بعضها جاء من سوء فهمهم
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 208
مساهمون: الشيخ محمد رشيد رضا
ص٢٠٨