تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 204

مساهمون:

ص٢٠٤

إعجاز القرآن بما فيه من علم الغيب

( الوجه الثالث ) اشتماله على الاخبار بالغيب من ماض كقصص الرسل مع أقوامهم ، وقد تقدم بعض الكلام فيه ، ومن حاضر في عصر تنزيله كقوله تعالى ( 30 : 1 - 5
غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ ، لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ ، وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ ، بِنَصْرِ اللَّهِ )
الآية وفيها خبران عن الغيب ظهر صدقهما بعد بضع سنين من نزول الآية ، وكان الصديق رضى اللّه عنه راهن بعض المشركين على صدق الخبر فربح الرهان ، وكقوله تعالى ( 48 : 15
سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها : ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ )
الآية ، وقوله ( 48 : 16
قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ )
وقوله ( 48 : 27
لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ )
وهذه الثلاثة في سورة الفتح وفيها غيرها أيضا ، وفي سورة التوبة أمثالها من الإخبار عما في قلوب المنافقين وعما سيقولون في بعض المسائل ، ومن أظهر هذه الأخبار وعده تعالى بحفظ القرآن من النسيان والتغيير والتبديل في قوله ( 15 : 10
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ )
ووعده بحفظ الرسول في قوله ( 5 : 67
وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ )
دع ما تكرر في عدة سور من وعد اللّه لرسوله وللمؤمنين ، ومن وعيده للكافرين ، كقوله تعالى ( 24 : 55
وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ، وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ ، وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً )
وكان الأستاذ الإمام يقول : إن اللّه تعالى لما ينجز لنا وعده هذا كله بل بعضه ، ولا بد من إتمامه بسيادة الإسلام في العالم كله حتى أوربة المعادية له . وروى عن عبد اللّه بن مسعود رضى اللّه عنه في قوله تعالى ( 6 : 65
قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ ، أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ )
الآية أنه قال « إنها نبأ غيبى عمن يأتي بعد » بل ورد هذا المعني في حديث مرفوع إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أيضا . وتجد بيان ذلك في تفسيرها من سورة الأنعام ، ومنه ظهور مصداقها في حرب الأمم الكبرى الأخيرة . فهذه الأخبار الكثيرة بالغيب دليل واضح على نبوة نبينا وكون القرآن من