تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 3927

مساهمون:

ص٣٩٢٧
وبعد هذا الإيحاء الكوني يجيء التوكيد المباشر :
« ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى »
. . ما تركك ربك ولا جفاك - كما زعم من يريدون إيذاء روحك وإيجاع قلبك وإقلاق خاطرك . . وهو
« رَبُّكَ » *
وأنت عبده المنسوب إليه ، المضاف إلى ربوبيته ، وهو راعيك وكافلك . . وما غاض معين فضله وفيض عطائه . فإن لك عنده في الآخرة من الحسنى خيرا مما يعطيك منها في الدنيا :
« وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى »
. . فهو الخير أولا وأخيرا . . وإنه ليدخر لك ما يرضيك من التوفيق في دعوتك ، وإزاحة العقبات من طريقك ، وغلبة منهجك ، وظهور حقك . . وهي الأمور التي كانت تشغل باله - صلى اللّه عليه وسلم - وهو يواجه العناد والتكذيب والأذى والكيد . . والشماتة . .
« وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى »
. . ويمضي سياق السورة يذكر الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - ما كان من شأن ربه معه منذ أول الطريق . ليستحضر في خاطره جميل صنع ربه به ، ومودته له ، وفيضه عليه ، ويستمتع باستعادة مواقع الرحمة والود والإيناس الإلهي . وهو متاع فائق تحييه الذكرى على هذا النحو البديع :
« أَ لَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى ؟ وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى ؟ وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى ؟ »
. . انظر في واقع حالك ، وماضي حياتك . . هل ودعك ربك وهل قلاك - حتى قبل أن يعهد إليك بهذا الأمر ؟ - ألم تحط يتمك رعايته ؟ ألم تدرك حيرتك هدايته ؟ ألم يغمر فقرك عطاؤه ؟ لقد ولدت يتيما فآواك إليه ، وعطف عليك القلوب حتى قلب عمك أبي طالب وهو على غير دينك ! ولقد كنت فقيرا فأغنى اللّه نفسك بالقناعة ، كما أغناك بكسبك ومال أهل بيتك ( خديجة رضي اللّه عنها ) عن أن تحس الفقر ، أو تتطلع إلى ما حولك من ثراء ! ثم لقد نشأت في جاهلية مضطربة التصورات والعقائد ، منحرفة السلوك والأوضاع ، فلم تطمئن روحك إليها . ولكنك لم تكن تجد لك طريقا واضحا مطمئنا . لا فيما عند الجاهلية ولا فيما عند أتباع موسى وعيسى الذين حرفوا وبدلوا وانحرفوا وتاهوا . . ثم هداك اللّه بالأمر الذي أوحى به إليك ، وبالمنهج الذي يصلك به . والهداية من حيرة العقيدة وضلال الشعاب فيها هي المنة الكبرى ، التي لا تعدلها منة ؛ وهي الراحة والطمأنينة من القلق الذي لا يعدله قلق ؛ ومن التعب الذي لا يعدله تعب ، ولعلها كانت بسبب مما كان رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - يعانيه في هذه الفترة ، من انقطاع الوحي وشماتة المشركين ووحشة الحبيب من الحبيب . فجاءت هذه تذكره وتطمئنه على أن ربه لن يتركه بلا وحي في التيه وهو لم يتركه من قبل في الحيرة والتيه ! وبمناسبة ما ذكره ربه بإيوائه من اليتم ، وهدايته من الحيرة وإغنائه من العيلة . . يوجهه ويوجه المسلمين من ورائه إلى رعاية كل يتيم ، وإلى كفاية كل سائل ، وإلى التحدث بنعمة اللّه الكبرى عليه ، وفي أولها : الهداية إلى هذا الدين :
« فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ . وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ . وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ »
. . وهذه التوجيهات إلى إكرام اليتيم والنهي عن قهره وكسر خاطره وإذلاله ، وإلى إغناء السائل مع الرفق به والكرامة ، كانت - كما ذكرنا مرارا - من أهم إيحاءات الواقع في البيئة الجاحدة المتكالبة ، التي لا ترعى