تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 3930

مساهمون:

ص٣٩٣٠
ألا تجد ذلك في العبء الذي أنقض ظهرك ؟ ألا تجد عبئك خفيفا بعد أن شرحنا لك صدرك ؟
« وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ »
. . رفعناه في الملأ الأعلى ، ورفعناه في الأرض ، ورفعناه في هذا الوجود جميعا . . رفعناه فجعلنا اسمك مقرونا باسم اللّه كلما تحركت به الشفاه : « لا إله إلا اللّه . محمد رسول اللّه » . . وليس بعد هذا رفع ، وليس وراء هذا منزلة . وهو المقام الذي تفرد به - صلى اللّه عليه وسلم - دون سائر العالمين . . ورفعنا لك ذكرك في اللوح المحفوظ ، حين قدر اللّه أن تمر القرون ، وتكر الأجيال ، وملايين الشفاه في كل مكان تهتف بهذا الاسم الكريم ، مع الصلاة والتسليم ، والحب العميق العظيم . ورفعنا لك ذكرك . وقد ارتبط بهذا المنهج الإلهي الرفيع . وكان مجرد الاختيار لهذا الأمر رفعة ذكر لم ينلها أحد من قبل ولا من بعد في هذا الوجود . . فأين تقع المشقة والتعب والضنى من هذا العطاء الذي يمسح على كل مشقة وكل عناء ؟ ومع هذا فإن اللّه يتلطف مع حبيبه المختار ، ويسري عنه ، ويؤنسه ، ويطمئنه ويطلعه على اليسر الذي لا لا يفارقه :
« فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً . إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً »
. . إن العسر لا يخلو من يسر يصاحبه ويلازمه . وقد لازمه معك فعلا . فحينما ثقل العبء شرحنا لك صدرك ، فخف حملك ، الذي أنقض ظهرك . وكان اليسر مصاحبا للعسر ، يرفع إصره ، ويضع ثقله . وإنه لأمر مؤكد يكرره بألفاظه :
« فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً . إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً »
. . وهذا التكرار يشي بأن الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - كان في عسرة وضيق ومشقة ، اقتضت هذه الملاحظة ، وهذا التذكير ، وهذا الاستحضار لمظاهر العناية ، وهذا الاستعراض لمواقع الرعاية ، وهذا التوكيد بكل ضروب التوكيد . . والأمر الذي يثقل على نفس محمد هكذا لا بد أنه كان أمرا عظيما . . ثم يجيء التوجيه الكريم لمواقع التيسير ، وأسباب الانشراح ، ومستودع الري والزاد في الطريق الشاق الطويل :
« فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ . وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ »
. . إن مع العسر يسرا . . فخذ في أسباب اليسر والتيسير . فإذا فرغت من شغلك مع الناس ومع الأرض ، ومع شواغل الحياة . . إذا فرغت من هذا كله فتوجه بقلبك كله إذن إلى ما يستحق أن تنصب فيه وتكد وتجهد . . العبادة والتجرد والتطلع والتوجه . .
« وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ »
. . إلى ربك وحده خاليا من كل شيء حتى من أمر الناس الذين تشتغل بدعوتهم . . إنه لا بد من الزاد للطريق . وهنا الزاد . ولا بد من العدة للجهاد . وهنا العدة . . وهنا ستجد يسرا مع كل عسر ، وفرجا مع كل ضيق . . هذا هو الطريق ! وتنتهي هذه السورة كما انتهت سورة الضحى ، وقد تركت في النفس شعورين ممتزجين : الشعور بعظمة الود الحبيب الجليل الذي ينسم على روح الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - من ربه الودود الرحيم . والشعور بالعطف على شخصه - صلى اللّه عليه وسلم - ونحن نكاد نلمس ما كان يساور قلبه الكريم في هذه الآونة
في ظلال القرآن — صفحة 3930 | سيد قطب