« ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى . وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى . وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى »
. .
وما تركك ربك من قبل أبدا ، وما قلاك من قبل قط ، وما أخلاك من رحمته ورعايته وإيوائه . .
« أَ لَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى ؟ وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى ؟ وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى ؟ »
. .
ألا تجد مصداق هذا في حياتك ؟ ألا تحس مسّ هذا في قلبك ؟ ألا ترى أثر هذا في واقعك ؟
لا . لا . .
« ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى »
. . وما انقطع عنك بره وما ينقطع أبدا . .
« وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى »
. . وهناك ما هو أكثر وأوفى :
« وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى »
! ومع هذه الأنسام اللطيفة من حقيقة الأمر وروحه . . الأنسام اللطيفة في العبارة والإيقاع . . وفي الإطار الكوني الذي وضعت فيه هذه الحقيقة :
« وَالضُّحى . وَاللَّيْلِ إِذا سَجى »
. .
« لقد أطلق التعبير جوا من الحنان اللطيف ، والرحمة الوديعة ، والرضى الشامل ، والشجا الشفيف :
« ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى . وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى . وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى »
. .
« أَ لَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى ؟ وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى ؟ وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى ؟ »
. . ذلك الحنان . وتلك الرحمة . وذاك الرضى .
وهذا الشجا : تنسرب كلها من خلال النظم اللطيف العبارة ، الرقيق اللفظ ، ومن هذه الموسيقى السارية في التعبير . الموسيقى الرتيبة الحركات ، الوئيدة الخطوات ، الرقيقة الأصداء ، الشجية الإيقاع . . فلما أراد إطارا لهذا الحنان اللطيف ، ولهذه الرحمة الوديعة ، ولهذا الرضى الشامل ، ولهذا الشجا الشفيف ، جعل الإطار من الضحى الرائق ، ومن الليل الساجي . أصفى آنين من آونة الليل والنهار . وأشف آنين تسري فيهما التأملات .
وتتصل الروح بالوجود وخالق الوجود . وتحس بعبادة الكون كله لمبدعه ، وتوجهه لبارئه بالتسبيح والفرح والصفاء . وصوّرهما في اللفظ المناسب . فالليل هو
« اللَّيْلِ إِذا سَجى »
، لا الليل على إطلاقه بوحشته وظلامه .
الليل الساجي الذي يرق ويسكن ويصفو ، وتغشاه سحابة رقيقة من الشجا الشفيف ، والتأمل الوديع . كجو اليتم والعيلة . ثم ينكشف ويجلي مع الضحى الرائق الصافي . . فتلتئم ألوان الصورة مع ألوان الإطار . ويتم التناسق والاتساق » « 1 » .
إن هذا الإبداع في كمال الجمال ليدل على الصنعة . صنعة اللّه التي لا تماثلها صنعة ، ولا يتلبس بها تقليد !
« وَالضُّحى . وَاللَّيْلِ إِذا سَجى . ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ . وَما قَلى . وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى »
. .
يقسم اللّه سبحانه - بهذين الآنين الرائقين الموحيين . فيربط بين ظواهر الكون ومشاعر النفس . ويوحي إلى القلب البشري بالحياة الشاعرة المتجاوبة مع هذا الوجود الجميل الحي ، المتعاطف مع كل حي . فيعيش ذلك القلب في أنس من هذا الوجود ، غير موحش ولا غريب فيه فريد . . وفي هذه السورة بالذات يكون لهذا الأنس وقعة . فظل الأنس هو المراد مده . وكأنما يوحي اللّه لرسوله - صلى اللّه عليه وسلم - منذ مطلع السورة ، أن ربه أفاض من حوله الأنس في هذا الوجود ، وأنه من ثم غير مجفوّ فيه ولا فريد !
هامش
( 1 ) من كتاب التصوير الفني في القرآن ص 105 من الطبعة الرابعة .