التيسير للعسرى ، وإن أفلح صاحبها في هذه الأرض ونجا . . وهل أعسر من جهنم ؟ وإنها لهي العسرى ! .
هكذا ينتهي المقطع الأول في السورة . وقد تبين طريقان ونهجان للجموع البشرية في كل زمان ومكان .
وقد تبين أنهما حزبان ورايتان مهما تنوعت وتعددت الأشكال والألوان . وأن كل إنسان يفعل بنفسه ما يختار لها ! فييسر اللّه له طريقه : إما إلى اليسرى وإما إلى العسرى .
فأما المقطع الثاني فيتحدث عن مصير كل فريق . ويكشف عن نهاية المطاف لمن يسره لليسرى ، ومن يسره للعسرى . وقبل كل شيء يقرر أن ما يلاقيه كل فريق من عاقبة ومن جزاء هو عدل وحق ، كما أنه واقع وحتم . فقد بين اللّه للناس الهدى ، وأنذرهم نارا تلظى :
« إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى . فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى ، لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى . وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى ، الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى ، وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى ، وَلَسَوْفَ يَرْضى »
. .
لقد كتب اللّه على نفسه - فضلا منه بعباده ورحمة - أن يبين الهدى لفطرة الناس ووعيهم . وأن يبينه لهم كذلك بالرسل والرسالات والآيات ، فلا تكون هناك حجة لأحد ، ولا يكون هناك ظلم لأحد :
« إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى »
. .
واللمسة الثانية هي التقرير الجازم لحقيقة السيطرة التي تحيط بالناس ، فلا يجدون من دونها موئلا :
« وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى »
. . فأين يذهب من يريد أن يذهب عن اللّه بعيدا ؟ ! وتفريعا على أن اللّه كتب على نفسه بيان الهدى للعباد ، وأن له الآخرة والأولى داري الجزاء والعمل . تفريعا على هذا يذكرهم أنه أنذرهم وحذرهم وبين لهم :
« فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى »
. . وتتسعر . . هذه النار المتسعرة
« لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى »
. . أشقى العباد جميعا . وهل بعد الصلي في النار شقوة ؟ ثم يبين من هو الأشقى .
إنه :
« الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى »
. . كذب بالدعوة وتولى عنها . تولى عن الهدى وعن دعوة ربه له ليهديه كما وعد كل من يأتي إليه راغبا .
« وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى »
. . وهو الأسعد في مقابل الأشقى . . ثم يبين من هو الأتقى :
« الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى »
. .
الذي ينفق ماله ليتطهر بإنفاقه ، لا ليرائي به ويستعلي . ينفقه تطوعا لا ردا لجميل أحد ، ولا طلبا لشكران أحد ، وإنما ابتغاء وجه ربه خالصا . . ربه الأعلى . .
« وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى . إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى »
. .
ثم ما ذا ؟ ما ذا ينتظر هذا الأتقى ، الذي يؤتي ماله تطهرا ، وابتغاء وجه ربه الأعلى ؟ إن الجزاء الذي يطالع القرآن به الأرواح المؤمنة هنا عجيب . ومفاجئ . وعلى غير المألوف .
« وَلَسَوْفَ يَرْضى »
.
إنه الرضى ينسكب في قلب هذا الأتقى . إنه الرضى يغمر روحه . إنه الرضى يفيض على جوارحه . إنه الرضى يشيع في كيانه . إنه الرضى يندي حياته . .
ويا له من جزاء ! ويا لها من نعمة كبرى !
« وَلَسَوْفَ يَرْضى »
. . يرضى بدينه . ويرضى بربه . ويرضى بقدره . ويرضى بنصيبه . ويرضى بما يجد من سراء وضراء . ومن غنى وفقر . ومن يسر وعسر . ومن رخاء وشدة . يرضى فلا يقلق ولا يضيق ولا يستعجل ولا يستثقل العبء ، ولا يستبعد الغاية . . إن هذا الرضى جزاء - جزاء أكبر من كل جزاء - جزاء يستحقه من