تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 3922

مساهمون:

ص٣٩٢٢
وليس من أعطى واتقى كمن بخل واستغنى ، وليس من صدق وآمن كمن كذب وتولى . وأن لكل طريقا ، ولكل مصيرا ، ولكل جزاء وفاقا :
« إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى . فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى ، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى ، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى . وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى ، وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى ، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى ، وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إِذا تَرَدَّى »
. . إن سعيكم لشتى . . مختلف في حقيقته . مختلف في بواعثه . مختلف في اتجاهه . مختلف في نتائجه . . والناس في هذه الأرض تختلف طبائعهم ، وتختلف مشاربهم ، وتختلف تصوراتهم ، وتختلف اهتماماتهم ، حتى لكأن كل واحد منهم عالم خاص يعيش في كوكب خاص . هذه حقيقة . ولكن هناك حقيقة أخرى . حقيقة إجمالية تضم أشتات البشر جميعا . وتضم هذه العوالم المتباينة كلها . تضمها في حزمتين اثنتين . وفي صفين متقابلين . تحت رايتين عامتين :
« مَنْ أَعْطى وَاتَّقى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى »
. . و
« مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى »
. . من أعطى نفسه وماله . واتقى غضب اللّه وعذابه . وصدق بهذه العقيدة التي إذا قيل « الحسنى » كانت اسما لها وعلما عليها . ومن بخل بنفسه وماله . واستغنى عن اللّه وهداه . وكذب بهذه الحسنى . . هذان هما الصفان اللذان يلتقي فيهما شتات النفوس ، وشتات السعي ، وشتات المناهج ، وشتات الغايات . ولكل منهما في هذه الحياة طريق . . ولكل منهما في طريقه توفيق !
« فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى ، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى . . فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى »
. . والذي يعطي ويتقي ويصدق بالحسنى يكون قد بذل أقصى ما في وسعه ليزكي نفسه ويهديها . عندئذ يستحق عون اللّه وتوفيقه الذي أوجبه - سبحانه - على نفسه بإرادته ومشيئته . والذي بدونه لا يكون شيء ، ولا يقدر الإنسان على شيء . ومن يسره اللّه لليسرى فقد وصل . . وصل في يسر وفي رفق وفي هوادة . . وصل وهو بعد في هذه الأرض . وعاش في يسر . يفيض اليسر من نفسه على كل ما حوله وعلى كل من حوله . اليسر في خطوه . واليسر في طريقه . واليسر في تناوله للأمور كلها . والتوفيق الهادئ المطمئن في كلياتها وجزئياتها . وهي درجة تتضمن كل شيء في طياتها . حيث تسلك صاحبها مع رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - في وعد ربه له :
« وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى
« 1 »
»
. .
« وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى . وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى . . فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى . وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إِذا تَرَدَّى . »
. . والذي يبخل بنفسه وماله ، ويستغني عن ربه وهداه ، ويكذب بدعوته ودينه . . يبلغ أقصى ما يبلغه إنسان بنفسه من تعريضها للفساد . ويستحق أن يعسر اللّه عليه كل شيء ، فييسره للعسرى ! ويوفقه إلى كل وعورة ! ويحرمه كل تيسير ! ويجعل في كل خطوة من خطاه مشقة وحرجا ، ينحرف به عن طريق الرشاد . ويصعد به في طريق الشقاوة . وإن حسب أنه سائر في طريق الفلاح . وإنما هو يعثر فيتقي العثار بعثرة أخرى تبعده عن طريق اللّه ، وتنأى به عن رضاه . . فإذا تردى وسقط في نهاية العثرات والانحرافات لم يغن عنه ماله الذي بخل به ، والذي استغنى به كذلك عن اللّه وهداه . .
« وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إِذا تَرَدَّى »
. . والتيسير للشر والمعصية من
هامش
( 1 ) يراجع تفسير قوله تعالى :« وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى »في سورة الأعلى ص 3889 - 3892 .