تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 3919

مساهمون:

ص٣٩١٩
فأما في هذا الموضع فهو يذكر أن ثمود بسبب من طغيانها كذبت نبيها ، فكان الطغيان وحده هو سبب التكذيب . وتمثل هذا الطغيان في انبعاث أشقاها . وهو الذي عقر الناقة . وهو أشدها شقاء وأكثرها تعاسة بما ارتكب من الإثم . وقد حذرهم رسول اللّه قبل الإقدام على الفعلة فقال لهم . احذروا أن تمسوا ناقة اللّه أو أن تمسوا الماء الذي جعل لها يوما ولهم يوما كما اشترط عليهم عندما طلبوا منه آية فجعل اللّه هذه الناقة آية - ولا بد أنه كان لها شأن خاص لا نخوض في تفصيلاته ، لأن اللّه لم يقل لنا عنه شيئا - فكذبوا النذير فعقروا الناقة . والذي عقرها هو هذا الأشقى . ولكنهم جميعا حملوا التبعة وعدوا أنهم عقروها ، لأنهم لم يضربوا على يده ، بل استحسنوا فعلته . وهذا مبدأ من مبادئ الإسلام الرئيسية في التكافل في التبعة الاجتماعية في الحياة الدنيا . لا يتعارض مع التبعة الفردية في الجزاء الأخروي حيث لا تزر وازرة وزر أخرى . على أنه من الوزر إهمال التناصح والتكافل والحض على البر والأخذ على يد البغي والشر . عندئذ تتحرك يد القدرة لتبطش البطشة الكبرى :
« فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاها »
. . والدمدمة الغضب وما يتبعه من تنكيل . واللفظ ذاته . . « دمدم » يوحي بما وراءه ، ويصور معناه بجرسه ، ويكاد يرسم مشهدا مروعا مخيفا ! وقد سوى اللّه أرضهم عاليها بسافلها ، وهو المشهد الذي يرتسم بعد الدمار العنيف الشديد . .
« وَلا يَخافُ عُقْباها »
. . سبحانه وتعالى . . ومن ذا يخاف ؟ وما ذا يخاف ؟ وأنى يخاف ؟ إنما يراد من هذا التعبير لازمه المفهوم منه . فالذي لا يخاف عاقبة ما يفعل ، يبلغ غاية البطش حين يبطش . وكذلك بطش اللّه كان : إن بطش ربك لشديد . فهو إيقاع يراد إيحاؤه وظله في النفوس . . وهكذا ترتبط حقيقة النفس البشرية بحقائق هذا الوجود الكبيرة ، ومشاهده الثابتة ، كما ترتبط بهذه وتلك سنة اللّه في أخذ المكذبين والطغاة ، في حدود التقدير الحكيم الذي يجعل لكل شيء أجلا ، ولكل حادث موعدا ، ولكل أمر غاية ، ولكل قدر حكمة ، وهو رب النفس والكون والقدر جميعا . .
في ظلال القرآن — صفحة 3919 | سيد قطب