فيما يمكن تسميته « بحدائق الأعشاش » . وتصيد أنواعا معينة من الدود والأرق أو اليرق ( وهي حشرات صغيرة تسبب آفة الندوة العسلية ) فهذه المخلوقات هي بقر النمل وعنزاتها ! ومنها يأخذ النمل إفرازات معينة تشبه العسل ليكون طعاما له .
« والنمل يأسر طوائف منه ويسترقها . وبعض النمل حين يصنع أعشاشه ، يقطع الأوراق مطابقة للحجم المطلوب . وبينما يضع بعض عملة النمل الأطراف في مكانها ، تستخدم صغارها - التي وهي في الدور اليرقي تقدر أن تغزل الحرير - لحياكتها معا ! وربما حرم طفل النمل عمل شرنقة لنفسه ، ولكنه قد خدم الجماعة ! « فكيف يتاح لذرات المادة التي تتكون منها النملة ، أن تقوم بهذه العمليات المعقدة ؟
« لا شك أن هناك خالقا أرشدها إلى كل ذلك » . . انتهى . .
أجل . لا شك أن هناك خالقا أرشدها ، وأرشد غيرها من الخلائق . كبيرها وصغيرها . إلى كل ذلك . .
إنه
« الْأَعْلَى الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ، وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى »
. .
وهذه النماذج التي اقتطفناها من كلام ذلك العالم ليست سوى طرف صغير من الملاحظات التي سجلها البشر في عوالم النبات والحشرات والطيور والحيوان . ووراءها حشود من مثلها كثيرة . . وهذه الحشود لا تزيد على أن تشير إلى جانب صغير من مدلول قوله تعالى :
« الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى . وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى »
. . في هذا الوجود المشهود الذي لا نعرف عنه إلا أقل من القليل . ووراءه عالم الغيب الذي ترد لنا عنه لمحات فيما يحدثنا اللّه عنه ؛ بالقدر الذي يطيقه تكويننا البشري الضعيف ! وبعد عرض هذا المدى المتطاول ، من صفحة الوجود الكبيرة ، وإطلاق التسبيح في جنباته ، تتجاوب به أرجاؤه البعيدة ، يكمل التسبيحة الكبرى بلمسة في حياة النبات لها إيحاؤها ولها مغزاها :
« وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى »
.
والمرعى كل نبات . وما من نبات إلا وهو صالح لخلق من خلق اللّه . فهو هنا أشمل مما نعهده من مرعى أنعامنا .
فاللّه خلق هذه الأرض وقدر فيها أقواتها لكل حي يدب فوق ظهرها أو يختبئ في جوفها ، أو يطير في جوها .
والمرعى يخرج في أول أمره خضرا ، ثم يذوي فإذا هو غثاء ، أميل إلى السواد فهو أحوى ، وقد يصلح أن يكون طعاما وهو أخضر ، ويصلح أن يكون طعاما وهو غثاء أحوى . وما بينهما فهو في كل حالة صالح لأمر من أمور هذه الحياة ، بتقدير الذي خلق فسوى وقدر فهدى .
والإشارة إلى حياة النبات هنا توحي من طرف خفي ، بأن كل نبت إلى حصاد وأن كل حي إلى نهاية .
وهي اللمسة التي تتفق مع الحديث عن الحياة الدنيا والحياة الأخرى . . .
« بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى »
. . والحياة الدنيا كهذا المرعى ، الذي ينتهي فيكون غثاء أحوى . . والآخرة هي التي تبقى .
وبهذا المطلع الذي يكشف عن هذا المدى المتطاول من صفحة الوجود الكبيرة . . تتصل حقائق السورة الآتية في سياقها ، بهذا الوجود ؛ ويتصل الوجود بها ، في هذا الإطار العريض الجميل . والملحوظ أن معظم السور