تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 3162

مساهمون:

ص٣١٦٢
ويقود البشرية في هذا الطريق . وقيمة الإيمان التجرد من الهوى والغرض والصالح الشخصي وتحقيق المغانم . إذ يصبح القلب متعلقا بهدف أبعد من ذاته ؛ ويحس أن ليس له من الأمر شيء ، إنما هي دعوة اللّه ، وهو فيها أجير عند اللّه ! وهذا الشعور ألزم ما يكون لمن توكل إليه مهمة القيادة كيلا يقنط إذ أعرض عنه القطيع الشارد أو أوذي في الدعوة ؛ ولا يغتر إذا ما استجابت له الجماهير ، أو دانت له الرقاب . فإنما هو أجير . ولقد آمنت العصبة الأولى من المسلمين إيمانا كاملا أثر في نفوسهم وأخلاقهم وسلوكهم تأثيرا عجيبا . وكانت صورة الإيمان في نفس البشرية قد بهتت وغمضت حتى فقدت تأثيرها في أخلاق الناس وسلوكهم ، فلما أن جاء الإسلام أنشأ صورة للإيمان حية مؤثرة فاعلة تصلح بها هذه لا عصبة للقيادة التي وضعت على عاتقها . يقول الأستاذ أبو الحسن الندوي في كتابه : « ما ذا خسر العالم بانحطاط المسلمين » . عن هذا الإيمان : « انحلت العقدة الكبرى - عقدة الشرك والكفر - فانحلت العقد كلها ؛ وجاهدهم الرسول جهاده الأول ، فلم يحتج إلى جهاد مستأنف لكل أمر ونهي ؛ وانتصر الإسلام على الجاهلية في المعركة الأولى ، فكان النصر حليفه في كل معركة ؛ وقد دخلوا في السلم كافة بقلوبهم وجوارحهم وأرواحهم كافة ، لا يشاقون الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى ، ولا يجدون في أنفسهم حرجا مما قضى ، ولا يكون لهم الخيرة من بعد ما أمر أو نهى . . . » « 1 » « حتى إذا خرج حظ الشيطان من نفوسهم - بل خرج حظ نفوسهم من نفوسهم - وأنصفوا من أنفسهم إنصافهم من غيرهم ، وأصبحوا في الدنيا رجال الآخرة ، وفي اليوم رجال الغد ، لا تجزعهم مصيبة ، ولا تبطرهم نعمة ، ولا يشغلهم فقر ، ولا يطغيهم غنى ، ولا تلهيهم تجارة ، ولا تستخفهم قوة ، ولا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا ، وأصبحوا للناس القسطاس المستقيم ، قوامين بالقسط شهداء للّه على أنفسهم أو الوالدين والأقربين . . وطأ لهم أكناف الأرض ، وأصبحوا عصمة للبشرية ، ووقاية للعالم . وداعية إلى دين اللّه . . » « 2 » ويقول عن تأثير الإيمان الصحيح في الأخلاق والميول : « كان الناس عربا وعجما يعيشون حياة جاهلية ، يسجدون فيها لكل ما خلق لأجلهم ويخضع لإرادتهم وتصرفهم ، لا يثيب الطائع بجائزة ، ولا يعذب العاصي بعقوبة ، ولا يأمر ولا ينهى ؛ فكانت الديانة سطحية طافية في حياتهم ، ليس لها سلطان على أرواحهم ونفوسهم وقلوبهم ، ولا تأثير لها في أخلاقهم واجتماعهم . كانوا يؤمنون باللّه كصانع أتم عمله واعتزل وتنازل عن مملكته لأناس خلع عليهم خلعة الربوبية ؛ فأخذوا بأيديهم أزمة الأمر ، وتولوا إدارة المملكة وتدبير شؤونها وتوزيع أرزاقها ، إلى غير ذلك من مصالح الحكومة المنظمة . فكان إيمانهم باللّه لا يزيد على معرفة تاريخية ، وكان إيمانهم باللّه ، وإحالتهم خلق السماوات والأرض إلى اللّه لا يختلف عن جواب تلميذ من تلاميذ فن التاريخ ، يقال له : من بنى هذا القصر العتيق ؟ فيسمي ملكا من الملوك الأقدمين من غير أن يخافه ويخضع له ؛ فكان دينهم عاريا عن الخشوع للّه ودعائه ، وما كانوا يعرفون عن اللّه ما يحببه إليهم ، فكانت معرفتهم مبهمة غامضة ، قاصرة مجملة ، لا تبعث في نفوسهم هيبة ولا محبة . . « . . انتقل العرب والذين أسلموا من هذه المعرفة العليلة الغامضة الميتة إلى معرفة عميقة واضحة روحية ذات
هامش
( 1 ) ص 73 الطبعة الثانية . ( 2 ) ص 74 الطبعة الثانية .