إلا بإذن اللّه ، ولا يرضون ولا يسخطون ، ولا يعطون ولا يمنعون ، ولا يصلون ولا يقطعون إلا بإذنه ووفق أمره » « 1 » .
وهذا هو الإيمان الذي تشير إليه الآية وهي تصف الجماعة التي اختيرت لقيادة البشرية بهذه العقيدة . ومن مقضيات هذا الإيمان التوكل على اللّه . ولكن القرآن يفرد هذه الصفة بالذكر ويميزها :
« وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ »
. .
وهذا التقديم والتأخير في تركيب الجملة يفيد قصر التوكل على ربهم دون سواه . والإيمان باللّه الواحد يقتضي التوكل عليه دون سواه . فهذا هو التوحيد في أول صورة من صوره . إن المؤمن يؤمن باللّه وصفاته ، ويستيقن أنه لا أحد في هذا الوجود يفعل شيئا إلا بمشيئته ، وأنه لا شيء يقع في هذا الوجود إلا بإذنه . ومن ثم يقصر توكله عليه ، ولا يتوجه في فعل ولا ترك لمن عداه .
وهذا الشعور ضروري لكل أحد ، كي يقف رافع الرأس لا يحني رأسه إلا للّه . مطمئن القلب لا يرجو ولا يرهب أحدا إلا اللّه . ثابت الجأش في الضراء ؛ قرير النفس في السراء ، لا تستطيره نعماء ولا بأساء . . ولكن هذا الشعور أشد ضرورة للقائد ، الذي يحتمل تبعة ارتياد الطريق .
« وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ »
. .
وطهارة القلب ، ونظافة السلوك من كبائر الإثم ومن الفواحش ، أثر من آثار الإيمان الصحيح . وضرورة من ضرورات القيادة الراشدة . وما يبقى قلب على صفاء الإيمان ونقاوته وهو يقدم على كبائر الذنوب والمعاصي ولا يتجنبها . وما يصلح قلب للقيادة وقد فارقه صفاء الإيمان وطمسته المعصية وذهبت بنوره .
ولقد ارتفع الإيمان بالحساسية المرهفة في قلوب العصبة المؤمنة ، حتى بلغت تلك الدرجة التي أشارت إليها المقتطفات السابقة ( ص 77 ) وأهلت الجماعة الأولى لقيادة البشرية قيادة غير مسبوقة ولا ملحوقة . ولكنها كالسهم يشير إلى النجم ليهتدي به من يشاء في معترك الشهوات ! واللّه يعلم ضعف هذا المخلوق البشري ، فيجعل الحد الذي يصلح به للقيادة ، والذي ينال معه ما عند اللّه ، هو اجتناب كبائر الإثم والفواحش . لا صغائر الإثم والذنب . وتسعه رحمته بما يقع منه من هذه الصغائر ، لأنه أعلم بطاقته . وهذا فضل من اللّه وسماحة ورحمة بهذا الإنسان ؛ توجب الحياء من اللّه ، فالسماحة تخجل والعفو يثير في القلب الكريم معنى الحياء .
« وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ »
. .
وتأتي هذه الصفة بعد الإشارة الخفية إلى سماحة اللّه مع الإنسان في ذنوبه وأخطائه ، فتحبب في السماحة والمغفرة بين العباد . وتجعل صفة المؤمنين أنهم إذا ما غضبوا هم يغفرون .
وتتجلى سماحة الإسلام مرة أخرى مع النفس البشرية ؛ فهو لا يكلف الإنسان فوق طاقته . واللّه يعلم أن الغضب انفعال بشري ينبع من فطرته . وهو ليس شرا كله . فالغضب للّه ولدينه وللحق والعدل غضب مطلوب وفيه الخير . ومن ثم لا يحرم الغضب في ذاته ولا يجعله خطيئة . بل يعترف بوجوده في الفطرة والطبيعة ، فيعفي الإنسان من الحيرة والتمزق بين فطرته وأمر دينه . ولكنه في الوقت ذاته يقوده إلى أن يغلب غضبه ، وأن يغفر
هامش
( 1 ) ص 81 .