تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 3163

مساهمون:

ص٣١٦٣
سلطان على الروح والنفس والقلب والجوارح ، ذات تأثير في الأخلاق والاجتماع ، ذات سيطرة على الحياة وما يتصل بها . آمنوا باللّه الذي له الأسماء الحسنى والمثل الأعلى . آمنوا برب العالمين ، الرحمن الرحيم ، مالك يوم الدين ، الملك ، القدوس ، السّلام ، المؤمن ، المهيمن ، العزيز ، الجبار ، المتكبر ، الخالق ، البارئ ، المصور ، العزيز ، الحكيم ، الغفور ، الودود ، الرؤوف ، الرحيم ، له الخلق والأمر ، بيده ملكوت كل شيء ، يجير ولا يجار عليه . . إلى آخر ما جاء في القرآن من وصفه . يثيب بالجنة ويعذب بالنار ، ويبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ، يعلم الخبء في السماوات والأرض ، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور . إلى آخر ما جاء في القرآن من قدرته وتصرفه وعلمه . فانقلبت نفسيتهم بهذا الإيمان الواسع العميق الواضح انقلابا عجيبا . فإذا آمن أحد باللّه وشهد أن لا إله إلا اللّه انقلبت حياته ظهرا لبطن . تغلغل الإيمان في أحشائه وتسرب إلى جميع عروقه ومشاعره ، وجرى منه مجرى الروح والدم ، واقتلع جراثيم الجاهلية وجذورها ، وغمر العقل والقلب بفيضانه ، وجعل منه رجلا غير الرجل ، وظهر منه من روائع الإيمان واليقين والصبر والشجاعة ، ومن خوارق الأفعال والأخلاق ما حير العقل والفلسفة وتاريخ الأخلاق ، ولا يزال موضع حيرة ودهشة منه إلى الأبد ، وعجز العلم عن تعليله بشيء غير الإيمان الكامل العميق » « 1 » . « وكان هذا الإيمان مدرسة خلقية وتربية نفسية تملي على صاحبها الفضائل الخلقية من صرامة إرادة وقوة نفس ، ومحاسبتها والإنصاف منها ، وكان أقوى وازع عرفه تاريخ الأخلاق وعلم النفس عن الزلات الخلقية والسقطات البشرية ؛ حتى إذا جمحت السورة البهيمية في حين من الأحيان ، وسقط الإنسان سقطة وكان ذلك حيث لا تراقبه عين ، ولا تتناوله يد القانون ، تحول هذا الإيمان نفسا لوامة عنيفة ، ووخزا لاذعا للضمير ، وخيالا مروعا ، لا يرتاح معه صاحبه حتى يعترف بذنبه أمام القانون ، ويعرض نفسه للعقوبة الشديدة ، ويتحملها مطمئنا مرتاحا ، تفاديا من سخط اللّه وعقوبة الآخرة « 2 » » . . « . . وكان هذا الإيمان حارسا لأمانة الإنسان وعفافه وكرامته ، يملك نفسه النزع أمام المطامع والشهوات الجارفة ؛ وفي الخلوة والوحدة حيث لا يراه أحد ، وفي سلطانه ونفوذه حيث لا يخاف أحدا . وقد وقع في تاريخ الفتح الإسلامي من قضايا العفاف عند المغنم ، وأداء الأمانات إلى أهلها ، والإخلاص للّه ، ما يعجز التاريخ البشري عن نظائره ، وما ذاك إلا نتيجة رسوخ الإيمان ، ومراقبة اللّه واستحضار علمه في كل مكان وزمان » « 3 » . « وكانوا قبل هذا الإيمان في فوضى من الأفعال والأخلاق والسلوك والأخذ والترك والسياسة والاجتماع ، لا يخضعون لسلطان ، ولا يقرون بنظام ، ولا ينخرطون في سلك ، يسيرون على الأهواء ، ويركبون العمياء ، ويخبطون خبط عشواء . فأصبحوا الآن في حظيرة الإيمان والعبودية لا يخرجون منها ، واعترفوا للّه بالملك والسلطان ، والأمر والنهي ، ولأنفسهم بالرعوية والعبودية والطاعة المطلقة ، وأعطوا من أنفسهم المقادة ، واستسلموا للحكم الإلهي استسلاما كاملا ووضعوا أوزارهم ، وتنازلوا عن أهواءهم وأنانيتهم ، وأصبحوا عبيدا لا يملكون مالا ولا نفسا ولا تصرفا في الحياة إلا ما يرضاه اللّه ويسمح به ، لا يحاربون ولا يصالحون
هامش
( 1 ) ص 75 - 76 الطبعة الثانية . ( 2 ) ص 76 . ( 3 ) ص 77 .