تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 3159

مساهمون:

ص٣١٥٩
في لمحة على طريقة القرآن ؛ فيشهد القلب هذين المشهدين الهائلين قبل أن ينتهي اللسان من آية واحدة قصيرة من القرآن ! وفي ظل هذين المشهدين يحدثهم عما يصيبهم في هذه الحياة بما كسبت أيديهم . لا كله . فإن اللّه لا يؤاخذهم بكل ما يكسبون . ولكن يعفو منه عن كثير . ويصور لهم عجزهم ويذكرهم به ، وهم قطاع صغير في عالم الأحياء الكبير :
« وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ . وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ »
. وفي الآية الأولى يتجلى عدل اللّه ، وتتجلى رحمته بهذا الإنسان الضعيف . فكل مصيبة تصيبه لها سبب مما كسبت يداه ؛ ولكن اللّه لا يؤاخذه بكل ما يقترف ؛ وهو يعلم ضعفه وما ركب في فطرته من دوافع تغلبه في أكثر الأحيان ، فيعفو عن كثير ، رحمة منه وسماحة . وفي الآية الثانية يتجلى ضعف هذا الإنسان ، فما هو بمعجز في الأرض ، وما له من دون اللّه من ولي ولا نصير . فأين يذهب إلا أن يلتجئ إلى الولي والنصير ؟
« وَمِنْ آياتِهِ الْجَوارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ . إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ . إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ . أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ . وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِنا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ »
. . والسفن الجواري في البحر كالجبال آية أخرى من آيات اللّه . آية حاضرة مشهودة . آية تقوم على آيات كلها من صنع اللّه دون جدال . هذا البحر من أنشأه ؟ من من البشر أو غيرهم يدعي هذا الادعاء ؟ ومن أودعه خصائصه من كثافة وعمق وسعة حتى يحمل السفن الضخام ؟ وهذه السفن من أنشأ مادتها وأودعها خصائصها فجعلها تطفو على وجه الماء ؟ وهذه الريح التي تدفع ذلك النوع من السفن التي كانت معلومة وقتها للمخاطبين ( وغير الريح من القوى التي سخرت للإنسان في هذا الزمان من بخار أو ذرة أو ما يشاء اللّه بعد الآن ) من جعلها قوة في هذا الكون تحرك الجواري في البحر كالأعلام ؟ . .
« إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ »
. . وإنها لتركد أحيانا فتهمد هذه الجواري وتركد كما لو كانت قد فارقتها الحياة !
« إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ »
. . في إجرائهن وفي ركودهن على السواء آيات لكل صبار شكور . والصبر والشكر كثيرا ما يقترنان في القرآن . الصبر على الابتلاء والشكر على النعماء ؛ وهما قوام النفس المؤمنة في الضراء والسراء .
« أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا »
. . فيحطمهن أو يغرقهن بما كسب الناس من ذنب ومعصية ومخالفة عن الإيمان الذي تدين به الخلائق كلها ، فيما عدا بعض بني الإنسان !
« وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ »
. . فلا يؤاخذ الناس بكل ما يصدر منهم من آثام ، بل يسمح ويعفو ويتجاوز منها عن كثير .
« وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِنا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ »
. .