تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 3118

مساهمون:

ص٣١١٨
« فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ . لِنُذِيقَهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا »
. . إنها العاصفة الهوجاء المجتاحة الباردة في أيام نحس عليهم . وإنه الخزي في الحياة الدنيا . الخزي اللائق بالمستكبرين المتباهين المختالين على العباد . . ذلك في الدنيا . . وليسوا بمتروكين في الآخرة :
« وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى . وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ »
. .
« وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى »
. . ويظهر أن هذه إشارة إلى اهتدائهم بعد آية الناقة ، ثم ردتهم وكفرهم بعد ذلك . وإيثارهم العمى على الهدى . والضلال بعد الهدى عمى أشد العمى !
« فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ »
. . والهوان أنسب عاقبة . فليس هو العذاب فحسب ، وليس هو الهلاك فحسب . ولكنه كذلك الهوان جزاء على العمى بعد الإيمان .
« وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ »
. . وتنتهي الجولة على مصرع عاد وثمود . والإنذار بهذا المصرع المخيف المرهوب . ويتكشف لهم سلطان اللّه الذي لا ترده قوة ولا يعصم منه حصن ، ولا يبقي على مستكبر مريد . والآن وقد كشف لهم عن سلطان اللّه في فطرة الكون ؛ وسلطان اللّه في تاريخ البشر ، يطلعهم على سلطان اللّه في ذوات أنفسهم ، التي لا يملكون منها شيئا ، ولا يعصمون منها شيئا من سلطان اللّه . حتى سمعهم وأبصارهم وجلودهم تطيع اللّه وتعصيهم في الموقف المشهود ، وتكون عليهم بعض الشهود :
« وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ . حَتَّى إِذا ما جاؤُها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ . وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ : لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا ؟ قالُوا : أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ، وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ . وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ ، وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ . وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ ، فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ . فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ . وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ »
. . إنها المفاجأة الهائلة في الموقف العصيب . وسلطان اللّه الذي تطيعه جوارحهم وتستجيب . وهم يوصمون بأنهم أعداء اللّه . فما مصير أعداء اللّه ؟ إنهم يحشرون ويجمع أولهم على آخرهم وآخرهم على أولهم كالقطيع ! إلى أين ؟ إلى النار ! حتى إذا كانوا حيالها وقام الحساب ، إذا شهود عليهم لم يكونوا لهم في حساب . إن ألسنتهم معقودة لا تنطق ، وقد كانت تكذب وتفتري وتستهزئ . وإن أسماعهم وأبصارهم وجلودهم تخرج عليهم ، لتستجيب لربها طائعة مستسلمة ، تروي عنهم ما حسبوه سرا . فقد يستترون من اللّه . ويظنون أنه لا يراهم وهم يتخفون بنواياهم ، ويتخفون بجرائمهم . ولم يكونوا ليستخفوا من أبصارهم وأسماعهم وجلودهم . وكيف وهي معهم ؟ بل كيف وهي أبعاضهم ؟ ! وها هي ذي تفضح ما حسبوه مستورا عن الخلق أجمعين . وعن اللّه رب العالمين ! يا للمفاجأة بسلطان اللّه الخفي ، يغلبهم على أبعاضهم فتلبي وتستجيب !