تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 3116

مساهمون:

ص٣١١٦
وهذا الإنذار المرهوب المخيف :
« فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ »
يناسب شناعة الجرم وقبح الذنب ، وتبجح المشركين الذي حكي في مطلع السورة ، وشذوذ كفار البشر من موكب الوجود الكبير الذي عرض قبل هذا الإنذار . وقد روى ابن إسحاق قصة عن هذا الإنذار قال : حدثني يزيد بن زياد ، عن محمد بن كعب القرظي ، قال : حدثت أن عتبة بن ربيعة ، وكان سيدا ، قال يوما وهو جالس في نادي قريش ، ورسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - جالس في المسجد وحده : يا معشر قريش ألا أقوم إلى محمد فأكلمه وأعرض عليه أمورا لعله أن يقبل بعضها فنعطيه أيها شاء ويكف عنا ؟ - وذلك حين أسلم حمزة - رضي اللّه عنه - ورأوا أصحاب رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - يزيدون ويكثرون - فقالوا : بلى يا أبا الوليد فقم إليه فكلمه . فقام إليه عتبة حتى جلس إلى رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - فقال : يا بن أخي . إنك منا حيث علمت من البسطة في العشيرة والمكان في النسب وأنك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرقت به جماعتهم ، وسفهت أحلامهم ، وعبت به آلهتهم ودينهم ، وكفرت به من مضى من آبائهم . فاسمع مني أعرض عليك أمورا تنظر فيها ، لعلك تقبل منها بعضها . قال : فقال له رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - : « قل يا أبا الوليد أسمع » . قال : يا بن أخي إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا ؛ وإن كنت تريد به شرفا سودناك علينا حتى لا نقطع أمرا دونك ؛ وإن كنت تريد به ملكا ملكناك علينا ؛ وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الأطباء ، وبذلنا فيها أموالنا حتى نبرئك منه ، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه . . أو كما قال . . حتى إذا فرغ عتبة ورسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - يستمع منه قال : « أفرغت يا أبا الوليد ؟ » قال : نعم . قال : « فاستمع مني » . قال : أفعل . قال :
« بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ . حم . تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ . كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ، بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ »
ثم مضى رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - فيها وهو يقرؤها عليه . فلما سمع عتبة أنصت لها ، وألقى يديه خلف ظهره ، معتمدا عليهما ، يستمع منه حتى انتهى رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - إلى السجدة منها فسجد ، ثم قال : « قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت فأنت وذاك » فقام عتبة إلى أصحابه ، فقال بعضهم لبعض : نحلف باللّه لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به . فلما جلس إليهم قالوا : ما وراءك يا أبا الوليد ؟ قال : ورائي أني سمعت قولا واللّه ما سمعت مثله قط . واللّه ما هو بالسحر ، ولا بالشعر ، ولا بالكهانة . يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها لي . . خلوا بين الرجل وبين ما هو فيه ، فاعتزلوه ، فو اللّه ليكونن لقوله الذي سمعت نبأ ، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم ، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم ، وعزه عزكم ، وكنتم أسعد الناس به . قالوا : سحرك واللّه يا أبا الوليد بلسانه ! قال : هذا رأيي فاصنعوا ما بدا لكم . وقد روى البغوي في تفسيره حديثا بسنده عن محمد بن فضيل عن الأجلح - وهو ابن عبد اللّه الكندي الكوفي ( قال ابن كثير : وقد ضعف بعض الشيء ) عن الزيال بن حرملة عن جابر بن عبد اللّه - رضي اللّه عنه - إلى قوله :
« فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ »
فأمسك عتبة على فيه . وناشده الرحم ، ورجع إلى أهله ولم يخرج إلى قريش ، واحتبس عنهم . . إلخ . . ثم لما حدثوه في هذا قال : « فأمسكت بفيه وناشدته الرحم أن يكف . وقد علمتم أن محمدا إذا قال شيئا لم يكذب . فخشيت أن ينزل بكم العذاب » . . فهذه صورة من وقع هذا الإنذار من فم رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - على قلب رجل لم يؤمن ! ولا