نترك هذه الرواية قبل أن نقف وقفة قصيرة أمام صورة رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - وأدب النفس الكبيرة وطمأنينة القلب المؤمن . وهو يستمع من عتبة إلى هذه الخواطر الصغيرة التي يعرضها عليه ، وقلبه مشغول بما هو أعظم ، حتى لتبدو هذه الخواطر مقززة تثير الاشمئزاز : ولكن الرسول - صلّى اللّه عليه وسلّم - يتلقاها حليما ، ويستمع كريما ، وهو مطمئن هادئ ودود . لا يعجل عتبة عن استكمال هذه الخواطر الصغيرة . حتى إذا انتهى قال في هدوء وثبات وسماحة : « أفرغت يا أبا الوليد ؟ » . فيقول : نعم . فيقول : - صلّى اللّه عليه وسلّم - « فاستمع مني » ولا يفاجئه بالقول حتى يقول : أفعل . وعندئذ يتلو - صلّى اللّه عليه وسلّم - في ثقة وفي طمأنينة وفي امتلاء روح قول ربه لا قوله :
« بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ . حم . . » *
. .
إنها صورة تلقي في القلب المهابة . والثقة . والمودة . والاطمئنان . . ومن ثم كان يملك قلوب سامعيه . .
الذين قد يقصدون إليه أول الأمر ساخرين أو حانقين ! صلّى اللّه عليه وسلّم . . وصدق اللّه العظيم :
« اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ »
. .
ونعود بعد هذه الوقفة القصيرة إلى النص القرآني الكريم :
« فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ : أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ . . »
.
إنها جولة في مصارع الغابرين ، بعد تلك الجولة في ملكوت السماوات والأرض . جولة تهز القلوب المستكبرة برؤية مصارع المستكبرين :
« إِذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ »
. .
الكلمة الواحدة التي جاء بها الرسل أجمعين . وقام عليها بنيان كل دين .
« قالُوا : لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً . فَإِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ »
. .
وهي كذلك الشبهة المتكررة التي ووجه بها كل رسول . وما كان لرسول يخاطب البشر أن يكون إلا من البشر . يعرفهم ويعرفونه . ويجدون فيه قدوة واقعية ، ويعاني هو ما يعانونه . ولكن عادا وثمودا أعلنوا كفرهم برسلهم ، لأنهم بشر لا ملائكة كما كانوا يقترحون ! وإلى هنا أجمل مصير عاد وثمود . وهو واحد . إذ انتهى هؤلاء وهؤلاء إلى الأخذ بالصاعقة . ثم فصل قصة كل منهما بعض التفصيل :
« فَأَمَّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ . وَقالُوا : مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ؟ »
. .
إن الحق أن يخضع العباد للّه ، وألا يستكبروا في الأرض ، وهم من هم بالقياس إلى عظمة خلق اللّه . فكل استكبار في الأرض فهو بغير الحق . استكبروا واغتروا
« وَقالُوا : مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ؟ »
. .
وهو الشعور الكاذب الذي يحسه الطغاة . الشعور بأنه لم تعد هناك قوة تقف إلى قوتهم . وينسون :
« أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ؟ »
. .
إنها بديهة أولية . . إن الذي خلقهم من الأصل أشد منهم قوة . لأنه هو الذي مكن لهم في هذا القدر المحدود من القوة . ولكن الطغاة لا يذكرون :
« وَكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ »
. .
وبينما هم في هذا المشهد يعرضون عضلاتهم ! ويتباهون بقوتهم . إذا المشهد التالي في الآية التالية هو المصرع المناسب لهذا العجب المرذول :