وهذا عمي وجهل فهو يسيء . . يسيء كل شيء . يسيء إلى نفسه ، ويسيء إلى الناس . ويسيء قبل كل شيء إدراك قيمته وقيمة ما حوله . ويخطئ في قياس نفسه إلى ما حوله . فهو أعمى . . والعمى عمى القلوب !
« قَلِيلًا ما تَتَذَكَّرُونَ »
. .
ولو تذكرنا لعرفنا . فالأمر واضح قريب . لا يحتاج إلى أكثر من التذكر والتذكير . .
ثم لو تذكرنا الآخرة ، ووثقنا من مجيئها ، وتصورنا موقفنا فيها ، واستحضرنا مشهدنا بها :
« إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها ، وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ »
. .
ومن ثم فهم يجادلون ويستكبرون ، فلا يذعنون للحق ، ولا يعرفون مكانهم الحق ، فلا يتجاوزوه .
والتوجه إلى اللّه بالعبادة ، ودعاؤه والتضرع إليه ، مما يشفي الصدور من الكبر الذي تنتفخ به ، فيدعوها إلى الجدال في آيات اللّه بغير حجة ولا برهان . واللّه - سبحانه - يفتح لنا أبوابه لنتوجه إليه وندعوه ، ويعلن لنا ما كتبه على نفسه من الاستجابة لمن يدعوه ؛ وينذر الذين يستكبرون عن عبادته بما ينتظرهم من ذل وتنكيس في النار :
« وَقالَ رَبُّكُمُ : ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ . إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ »
. .
وللدعاء أدب لا بد أن يراعى . إنه إخلاص القلب للّه . والثقة بالاستجابة مع عدم اقتراح صورة معينة لها ، أو تخصيص وقت أو ظرف ، فهذا الاقتراح ليس من أدب السؤال . والاعتقاد بأن التوجه للدعاء توفيق من اللّه ، والاستجابة فضل آخر . وقد كان عمر - رضي اللّه عنه - يقول : « أنا لا أحمل همّ الإجابة إنما أحمل همّ الدعاء . فإذا ألهمت الدعاء كانت الإجابة معه » وهي كلمة القلب العارف ، الذي يدرك أن اللّه حين يقدر الاستجابة يقدر معها الدعاء . فهما - حين يوفق اللّه - متوافقان متطابقان .
فأما الذين يستكبرون عن التوجه للّه فجزاؤهم الحق أن يوجهوا أذلاء صاغرين لجهنم ! وهذه نهاية الكبر الذي تنتفخ به قلوب وصدور في هذه الأرض الصغيرة ، وفي هذه الحياة الرخيصة ، وتنسى ضخامة خلق اللّه .
فضلا على نسيانها عظمة اللّه . ونسيانها للآخرة وهي آتية لا ريب فيها . ونسيانها للموقف الذليل في الآخرة بعد النفخة والاستكبار .
ولما ذكر الذين يستكبرون عن عبادة اللّه ، شرع يعرض بعض نعم اللّه على الناس ، تلك النعم التي توحي بعظمته تعالى والتي لا يشكرون اللّه عليها ، بل يستكبرون عن عبادته والتوجه إليه :
« اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً . إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ ، وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ . ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ، لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ، فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ؟ كَذلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ . اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَراراً وَالسَّماءَ بِناءً ، وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ ، وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ . ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ ، فَتَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ . هُوَ الْحَيُّ ، لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ، فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ »
. .
والليل والنهار ظاهرتان كونيتان . والأرض والسماء خلقان كونيان كذلك . وهي تذكر مع تصوير اللّه للبشر وإحسان صورهم ، ومع رزق اللّه لهم من الطيبات . . وتعرض كلها في معرض نعم اللّه وفضله على الناس ، وفي معرض الوحدانية وإخلاص الدين للّه . فيدل هذا على ارتباط هذه الظواهر والخلائق والمعاني ، وعلى وجود