تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 3071

مساهمون:

ص٣٠٧١
الجدل حول غيبيات لم يطلع اللّه أحدا من المتجادلين عليها ؛ وكل ما يتصل بالحقيقة التي يقررها سياق السورة أن عبادا مقربين من اللّه ،
« يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ »
.
« وَيُؤْمِنُونَ بِهِ »
. . وينص القرآن على إيمانهم - وهو مفهوم بداهة - ليشير إلى الصلة التي تربطهم بالمؤمنين من البشر . . هؤلاء العباد المقربون يتوجهون بعد تسبيح اللّه إلى الدعاء للمؤمنين من الناس بخير ما يدعو به مؤمن لمؤمن . وهم يبدءون دعاءهم بأدب يعلمنا كيف يكون أدب الدعاء والسؤال . يقولون :
« رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً »
. . يقدمون بين يدي الدعاء بأنهم - في طلب الرحمة للناس - إنما يستمدون من رحمة اللّه التي وسعت كل شيء ، ويحيلون إلى علم اللّه الذي وسع كل شيء ؛ وأنهم لا يقدمون بين يدي اللّه بشيء ؛ إنما هي رحمته وعلمه منهما يستمدون وإليهما يلجئون :
« فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ »
. . وتلتقي هذه الإشارة إلى المغفرة والتوبة بمطلع السورة ، وبصفة اللّه هناك :
« غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ »
. . كما تلتقي الإشارة إلى عذاب الجحيم ، بصفة اللّه :
« شَدِيدِ الْعِقابِ »
. . ثم يرتقون في الدعاء من الغفران والوقاية من العذاب إلى سؤال الجنة واستنجاز وعد اللّه لعباده الصالحين :
« رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ ، وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ . إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ »
. . ودخول الجنة نعيم وفوز . يضاف إليه صحبة من صلح من الآباء والأزواج والذريات . وهي نعيم آخر مستقل . ثم هي مظهر من مظاهر الوحدة بين المؤمنين أجمعين . فعند عقدة الإيمان يلتقي الآباء والأبناء والأزواج ، ولولا هذه العقدة لتقطعت بينهم الأسباب : والتعقيب على هذه الفقرة من الدعاء :
« إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ »
يشير إلى القوة كما يشير إلى الحكمة . وبها يكون الحكم في أمر العباد . .
« وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ . وَمَنْ تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ . وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ »
. . وهذه الدعوة - بعد الدعاء بإدخالهم جنات عدن - لفتة إلى الركيزة الأولى في الموقف العصيب . فالسيئات هي التي توبق أصحابها في الآخرة ، وتوردهم مورد التهلكة . فإذا وقى اللّه عباده المؤمنين منها وقاهم نتائجها وعواقبها . وكانت هذه هي الرحمة في ذلك الموقف . وكانت كذلك أولى خطوات السعادة .
« وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ »
. . فمجرد الوقاية من السيئات هو أمر عظيم ! وبينما أن حملة العرش ومن حوله يتجهون إلى ربهم بهذا الدعاء لإخوانهم المؤمنين . نجد الذين كفروا في الموقف الذي تتطلع كل نفس فيه إلى المعين وقد عز المعين . نجد الذين كفروا هؤلاء - وقد أنبتت العلاقات بينهم وبين كل أحد وكل شيء في الوجود . وإذا هم ينادون من كل مكان بالترذيل والمقت والتأنيب . وإذا هم في موقف الذلة بعد الاستكبار . وفي موقف الرجاء ولات حين رجاء :
« إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمانِ فَتَكْفُرُونَ قالُوا : رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا ، فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ ؟ ذلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ ،