« وَما يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ »
. . فالذي ينيب إلى ربه يتذكر نعمه ويتذكر فضله ويتذكر آياته التي ينساها غلاظ القلوب .
وعلى ذكر الإنابة وما تثيره في القلب من تذكر وتدبر يوجه اللّه المؤمنين ليدعوا اللّه وحده ويخلصوا له الدين ، غير عابئين بكره الكافرين :
« فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ »
:
ولن يرضى الكافرون من المؤمنين أن يخلصوا دينهم للّه ، وأن يدعوه وحده دون سواه . ولا أمل في أن يرضوا عن هذا مهما لاطفهم المؤمنون أو هادنوهم أو تلمسوا رضاهم بشتى الأساليب . فليمض المؤمنون في وجهتهم ، يدعون ربهم وحده ، ويخلصون له عقيدتهم ، ويصغون له قلوبهم . ولا عليهم رضي الكافرون أم سخطوا .
وما هم يوما براضين ! ثم يذكر من صفات اللّه في هذا المقام الذي يوجه المؤمنين فيه إلى عبادة اللّه وحده ولو كره الكافرون . يذكر من هذه الصفات أنه سبحانه :
« رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو الْعَرْشِ ، يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ »
. .
فهو - سبحانه - وحده صاحب الرفعة والمقام العالي ، وهو صاحب العرش المسيطر المستعلي . وهو الذي يلقي أمره المحيي للأرواح والقلوب على من يختاره من عباده . وهذا كناية عن الوحي بالرسالة . ولكن التعبير عنه في هذه الصيغة يبين أولا حقيقة هذا الوحي ، وأنه روح وحياة للبشرية ، ويبين ثانيا أنه يتنزل من علو على المختارين من العباد . . وكلها ظلال متناسقة مع صفة اللّه
« الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ »
. .
فأما الوظيفة البارزة لمن يختاره اللّه من عباده فيلقي عليه الروح من أمره ، فهي الإنذار :
« لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ »
. .
وفي هذا اليوم يتلاقى البشر جميعا . ويتلاقى الناس وأعمالهم التي قدموا في الحياة الدنيا . ويتلاقى الناس والملائكة والجن وجميع الخلائق التي تشهد ذلك اليوم المشهود وتلتقي الخلائق كلها بربها في ساعة الحساب فهو يوم التلاقي بكل معاني التلاقي .
ثم هو اليوم الذي يبرزون فيه بلا ساتر ولا واق ولا تزييف ولا خداع :
« يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ لا يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ »
. .
واللّه لا يخفى عليه منهم شيء في كل وقت وفي كل حال . ولكنهم في غير هذا اليوم قد يحسبون أنهم مستورون ، وأن أعمالهم وحركاتهم خافية ، أما اليوم فيحسون أنهم مكشوفون ، ويعلمون أنهم مفضوحون ؛ ويقفون عارين من كل ساتر حتى ستار الأوهام ! ويومئذ يتضاءل المتكبرون ، وينزوي المتجبرون ، ويقف الوجود كله خاشعا ، والعباد كلهم خضعا . ويتفرد مالك الملك الواحد القهار بالسلطان . وهو سبحانه متفرد به في كل آن . فأما في هذا اليوم فينكشف هذا للعيان ، بعد انكشافه للجنان . ويعلم هذا كل منكر ويستشعره كل متكبر . وتصمت كل نأمة وتسكن كل حركة .
وينطلق صوت جليل رهيب يسأل ويجيب ؛ فما في الوجود كله يومئذ من سائل غيره ولا مجيب :
« لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ؟ »
. .
« لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ »
. .
« الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ . لا ظُلْمَ الْيَوْمَ . إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ »
. .